ونظيرُ هذا على أحد التّأويلين: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾[المائدة: ٦٧] أي اعلَمْ ما يترتَّب على مَن عصى أمره ولم يبلِّغ رسالته.
والتّأويل الرّابع: أنَّ التَّوبةَ تكون أوّلًا بالقصد والعزم على فعلها، ثمَّ إذا قوِيَ العزمُ وصار جازمًا وُجِد به فعلُ التَّوبة. فالتَّوبةُ الأولى بالعزم والقصد لفعلها، والثّانيةُ بنفس إيقاع التّوبة وإيجادها. والمعنى: من تاب إلى الله قصدًا ونيّةً وعزمًا، فتوبتُه إلى الله عملًا وفعلًا. وهذا نظير قوله ﷺ: "فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرتُه لدنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوَّجها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه"١.
فصل
والذُّنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنصِّ القرآن والسُّنّة وإجماع السّلف والاعتبار. قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾[النساء: ٣١]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾٢[النجم: ٣٢]. وفي "الصّحيح"٣ عن النّبيِّ ﷺ: "الصّلواتُ الخَمسُ، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان= مكفِّراتٌ لما بينهنّ، إذا اجتُنِبَتِ الكبائرُ".
وأمّا ما يحكى عن أبي إسحاق الإسفرايينيِّ ﵀ أنّه قال: "الذُّنوب
(١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر ﵁.
(٢) في جميع النسخ: "والذين" وهو سهو، وقد طمس بعضهم الواو في ش.
(٣) تقدَّم تخريجه.
كلُّها كبائر، وليس فيها صغائر"١، فليس مراده أنّها مستويةٌ في الإثم، بحيث يكون إثمُ النَّظرة المحرَّمة كإثم الوطء الحرام، وإنّما المرادُ أنّها بالنِّسبة إلى عظمة من عُصِيَ بها كلُّها كبائر، ومع هذا فبعضُها أكبرُ من بعضٍ٢. وعلى هذا فالأمر في ذلك لفظيٌّ لا يرجع إلى معنًى.
والَّذي جاء في لفظ الشَّارع: تسميةُ ذلك لَمَمًا ومحقَّراتٍ كما في الحديث: "إيّاكم ومحقَّراتِ الذُّنوب"٣.
وقد قيل: إنَّ اللَّمَم المذكور في الآية من الكبائر. حكاه البغويُّ٤ وغيره. قالوا: ومعنى الاستثناء أن يُلِمَّ بالكبيرة مرّةً، ثمَّ يتوب، ويقعَ فيها ثمَّ ينتهيَ عنها، لا يتَّخذُها دأبَه. وعلى هذا يكون استثناء اللَّمَم من الاجتناب إذ معناه: لا يصدر منهم ولا تقع منهم الكبائرُ إلّا لَمَمًا.
والجمهور على أنّه استثناءٌ من الكبائر، وهو منقطعٌ، أي لكن يقع منهم اللَّمَمُ. وحسَّنَ وقوعَ الانقطاع بعد الإيجاب ــ والغالبُ خلافُه: أنّه٥ إنّما يقع حيث يقع التَّفريغُ ــ أنَّ٦ في الإيجاب هنا معنى النَّفي صريحًا، فالمعنى:
(١) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (٢/ ٨٤) وإليه ذهب القشيري في "لطائف الإشارات" (٣/ ٤٨٧)، وعزاه القاضي عياض في "إكمال المعلم" (١/ ٣٥٥) إلى المحققين. وانظر: "فتح الباري" (١٠/ ٤٠٩).