كلُّها كبائر، وليس فيها صغائر"١، فليس مراده أنّها مستويةٌ في الإثم، بحيث يكون إثمُ النَّظرة المحرَّمة كإثم الوطء الحرام، وإنّما المرادُ أنّها بالنِّسبة إلى عظمة من عُصِيَ بها كلُّها كبائر، ومع هذا فبعضُها أكبرُ من بعضٍ٢. وعلى هذا فالأمر في ذلك لفظيٌّ لا يرجع إلى معنًى.
والَّذي جاء في لفظ الشَّارع: تسميةُ ذلك لَمَمًا ومحقَّراتٍ كما في الحديث: "إيّاكم ومحقَّراتِ الذُّنوب"٣.
وقد قيل: إنَّ اللَّمَم المذكور في الآية من الكبائر. حكاه البغويُّ٤ وغيره. قالوا: ومعنى الاستثناء أن يُلِمَّ بالكبيرة مرّةً، ثمَّ يتوب، ويقعَ فيها ثمَّ ينتهيَ عنها، لا يتَّخذُها دأبَه. وعلى هذا يكون استثناء اللَّمَم من الاجتناب إذ معناه: لا يصدر منهم ولا تقع منهم الكبائرُ إلّا لَمَمًا.
والجمهور على أنّه استثناءٌ من الكبائر، وهو منقطعٌ، أي لكن يقع منهم اللَّمَمُ. وحسَّنَ وقوعَ الانقطاع بعد الإيجاب ــ والغالبُ خلافُه: أنّه٥ إنّما يقع حيث يقع التَّفريغُ ــ أنَّ٦ في الإيجاب هنا معنى النَّفي صريحًا، فالمعنى:
(١) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (٢/ ٨٤) وإليه ذهب القشيري في "لطائف الإشارات" (٣/ ٤٨٧)، وعزاه القاضي عياض في "إكمال المعلم" (١/ ٣٥٥) إلى المحققين. وانظر: "فتح الباري" (١٠/ ٤٠٩).
(٥) ش: "فإنه". و"خلافه" ساقط من ج ومضروب عليه في ل.
(٦) ع: "إذ". وزاد بعضهم واوًا صغيرةً قبل "أنَّ". وكلُّ ذلك خطأ.
لا يأتون ولا يفعلون كبائرَ الإثم والفواحش. فحسُنَ استثناءُ اللَّمَم.
ولعلَّ هذا الذي شجَّع أبا إسحاق على أن قال: الذُّنوب كلُّها كبائر، إذ الأصلُ في الاستثناء: الاتِّصال، ولا سيَّما وهو من موجَب.
ولكنَّ النُّصوصَ وإجماعَ السَّلف على انقسام الذُّنوب إلى صغائر وكبائر. ثمّ اختلفوا في فصلين، أحدهما: في اللَّمَم ما هو؟ والثّاني: في الكبائر وهل لها عددٌ يحصُرها، أو حدٌّ يحُدُّها؟ فلنذكر شيئًا يتعلَّق بالفصلين.
فصل
فأمَّا اللَّمَمُ، فقد روي عن جماعةٍ من السّلف أنَّه الإلمامُ بالذَّنب مرّةً، ثمَّ لا يعود إليه وإن كان كبيرًا. قال البغويُّ ﵀١: هذا قول أبي هريرة، ومجاهدٍ، والحسن، وروايةُ عطاءٍ عن ابن عبّاسٍ. قال: وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللَّمَمُ ما دون الشِّرك. قال السُّدِّيُّ: قال أبو صالحٍ: سئلتُ عن قول الله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾[النجم: ٣٢]، فقلتُ: هو الرَّجل يُلِمُّ بالذَّنب ثمّ لا يعاوده. فذكرتُ ذلك لابن عبّاسٍ ﵄ فقال: لقد أعانك عليها ملَكٌ كريمٌ.
والجمهورُ على أنَّ اللَّمَمَ ما دون الكبائر. وهو أصحُّ الرِّوايتين عن ابن عبّاسٍ، كما في "صحيح البخاريِّ"٢ من حديث طاووسٍ عنه قال: ما رأيتُ أشبهَ باللَّمَم ممّا قال أبو هريرة عن النّبيِّ ﷺ: "إنَّ الله كتَب على ابن آدم حظَّه من الزِّنى، أدرك ذلك لا محالة. فزنى العينِ النَّظرُ، وزنى اللِّسانِ النُّطقُ.