مدارج السالكين

لا يأتون ولا يفعلون كبائرَ الإثم والفواحش. فحسُنَ استثناءُ اللَّمَم.

ولعلَّ هذا الذي شجَّع أبا إسحاق على أن قال: الذُّنوب كلُّها كبائر، إذ الأصلُ في الاستثناء: الاتِّصال، ولا سيَّما وهو من موجَب.

ولكنَّ النُّصوصَ وإجماعَ السَّلف على انقسام الذُّنوب إلى صغائر وكبائر. ثمّ اختلفوا في فصلين، أحدهما: في اللَّمَم ما هو؟ والثّاني: في الكبائر وهل لها عددٌ يحصُرها، أو حدٌّ يحُدُّها؟ فلنذكر شيئًا يتعلَّق بالفصلين.

فصل

فأمَّا اللَّمَمُ، فقد روي عن جماعةٍ من السّلف أنَّه الإلمامُ بالذَّنب مرّةً، ثمَّ لا يعود إليه وإن كان كبيرًا. قال البغويُّ ﵀١: هذا قول أبي هريرة، ومجاهدٍ، والحسن، وروايةُ عطاءٍ عن ابن عبّاسٍ. قال: وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللَّمَمُ ما دون الشِّرك. قال السُّدِّيُّ: قال أبو صالحٍ: سئلتُ عن قول الله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، فقلتُ: هو الرَّجل يُلِمُّ بالذَّنب ثمّ لا يعاوده. فذكرتُ ذلك لابن عبّاسٍ ﵄ فقال: لقد أعانك عليها ملَكٌ كريمٌ.

والجمهورُ على أنَّ اللَّمَمَ ما دون الكبائر. وهو أصحُّ الرِّوايتين عن ابن عبّاسٍ، كما في "صحيح البخاريِّ"٢ من حديث طاووسٍ عنه قال: ما رأيتُ أشبهَ باللَّمَم ممّا قال أبو هريرة عن النّبيِّ ﷺ: "إنَّ الله كتَب على ابن آدم حظَّه من الزِّنى، أدرك ذلك لا محالة. فزنى العينِ النَّظرُ، وزنى اللِّسانِ النُّطقُ.

  1. (١) في "التفسير" (٧/ ٤١١).
  2. (٢) برقم (٦٢٤٣). وأخرجه مسلم (٢٦١٢).
486

والنَّفسُ تمنّى وتشتهي، والفرجُ يصدِّق ذلك ويكذِّبه". ورواه مسلمٌ١ من حديث سهيل بن أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرة، وفيه: "والعينانِ زناهما النَّظرُ، والأذنانِ زناهما الاستماعُ، واللِّسانُ زناه الكلامُ، واليدُ زناها البطشُ، والرِّجلُ زناها الخُطا".

وقال الكلبيُّ: اللَّمَمُ على وجهين: كلُّ ذنبٍ لم يذكُر الله عليه حدًّا في الدُّنيا ولا عذابًا في الآخرة، فذلك الذي تكفِّره الصّلواتُ الخمسُ، ما لم يبلغ الكبائرَ والفواحشَ. والوجهُ الآخر: هو الذَّنب العظيمُ، يُلِمُّ به المسلمُ المرَّةَ بعد المرَّة، فيتوب منه٢.

وقال سعيد بن المسيِّب: هو ما ألمَّ بالقلب، أي خطَر عليه.

وقال الحسينُ بن الفضلِ: اللَّمَمُ٣: النَّظَرُ من غير تعمُّدٍ، فهو مغفورٌ، فإن أعاد النَّظرَ فليس بلمَمٍ، وهو ذنبٌ.

وقد روى عطاءٌ عن ابن عبّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:

"إن تغفِرِ اللهمَّ تغفِرْ جَمَّاوأيُّ عبد لك لا ألمَّا٤ "٥
  1. (١) برقم (٢٦٥٧).
  2. (٢) انظر لقول الكلبي وما يليه: "تفسير البغوي" (٧/ ٤١٣).
  3. (٣) لفظ "اللمم" ساقط من ش.
  4. (٤) الرَّجز لأمية بن أبي الصَّلت، وينسب إلى أبي خراش الهذلي، وقد تمثل به النبي ﷺ. انظر: "تهذيب اللغة" (١٥/ ٤٢٠)، و"أعلام الحديث" للخطابي (٢/ ٩٧٧)، و"غريب الحديث" لابن قتيبة (٢/ ٣٠٣).
  5. (٥) أخرجه الترمذي (٣٢٨٤) والبزار (١١/ ٢٠٦) وأبو يعلى في "المعجم" (١٩٠) والطبري في "التفسير" (٢٢/ ٦٣) والحاكم (١/ ٥٤، ٢/ ٤٦٩، ٤/ ٢٤٥) والبيهقي في "السنن" (١٠/ ١٨٥) والضياء (١١/ ١٩٥) من طريق زكريا بن إسحاق المكي عن عمرو بن دينار عن عطاء به. وإسناده صحيح، وقد صححه الترمذي والحاكم واختاره الضياء.
487

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي