مدارج السالكين

العنَتُ على من١ اتّخذ الذَّنبَ عادتَه، وتكرَّر منه مرارًا كثيرةً. وفي ذلك آثارٌ سلفيّةٌ، والاعتبارُ بالواقع يدلُّ على هذا. ويُذكَرُ عن عليٍّ ﵁٢ أنّه رُفِعَ إليه سارقٌ، فأمرَ بقطع يده، فقال: يا أميرَ المؤمنين، والله ما سرقتُ غيرَ هذه المرَّة. فقال: كذبتَ. فلمَّا قُطِعت يُده قال: اصدُقْني، كم لك بهذه مرَّةً؟ فقال: كذا وكذا مرّةً؟ فقال: صدقتَ، إنَّ الله لا يؤاخذ بأوّل ذنبٍ. أو كما قال. فأوّلُ ذنبٍ إن لم يكن هو اللَّمَم، فهو من جنسه ونظيره.

فالقولان٣ عن أبي هريرة وابن عبّاسٍ متّفقان غيرُ مختلفين. والله أعلم.

وهذه اللَّفظةُ فيها معنى المقاربة والإغباب٤ بالفعل حينًا بعد حينٍ، فإنَّه يقال: ألمَّ بكذا، إذا قاربه ولم يغشَه. ومن هذا سمِّيت القُبلةُ والغَمْزةُ لَمَمًا، لأنّها تُلِمُّ بما بعدها. ويقال: فلانٌ لا يزورنا إلّا لِمامًا، أي حينًا بعد حينٍ. فمعنى اللَّفظة ثابتٌ في الوجهين اللَّذَين فسَّرت الصَّحابةُ بهما الآية.

  1. (١) ش: "يخاف المقتَ مَن".
  2. (٢) لم أره عن علي ﵁. وقد أخرجه إسماعيل بن جعفر في "أحاديثه" (٩٤) عن حميد عن أنس ﵁، وأبو داود في "الزهد" (٥٤) والبيهقي (٨/ ٢٧٦) من طريق حميد وثابت عن أنس قال: "أُتي عمرُ بشابٍّ قد سرق، فقال: والله ما سرقتُ قبلها قطُّ، فقال عمر: كذبت، والله ما كان الله ليُسلِمَ عبدًا عند أول ذنب". قال ابن كثير في "مسند الفاروق" (٢/ ٣٧٠): "إسناده صحيح". وانظر: "التخليص الحبير" (٥/ ٢٥٠٢).
  3. (٣) ش: "والقولان".
  4. (٤) ج: "الإعتاب" وكذا في النسخ المطبوعة وهو تصحيف.
489

وليس معنى الآية: الذين١ يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، إلّا اللَّمَمَ فإنَّهم لا يجتنبونه؛ فإنَّ هذا يكون ثناءً عليهم بترك اجتناب اللَّمَم، وهذا محالٌ. وإنّما هذا استثناءٌ من مضمون الكلام ومعناه، فإنَّ سياقَ الكلام في تقسيم النَّاس إلى محسنٍ ومسيءٍ، وأنَّ الله يجزي هذا بإساءته وهذا بإحسانه. ثمَّ ذكَر المحسنين ووصَفَهم بأنّهم يجتنبون كبائرَ الإثم والفواحش. ومضمونُ هذا: أنّه لا يكون مُحسِنًا مجزيًّا بإحسانه ناجيًا من عذاب الله إلّا من اجتنب كبائر الإثم والفواحش، فحسُن حينئذٍ استثناءُ اللَّمَم، وإن لم يدخل في الكبائر، فإنّه داخلٌ في جنس الإثم والفواحش.

وضابطُ الانقطاع: أن يكون له دخولٌ في جنس المستثنى منه، وإن لم يدخل في نفسه، ولم يتناوله لفظُه، كقوله تعالى: ﴿فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ﴾ [مريم: ٦٢]، فإنَّ السَّلامَ داخلٌ في الكلام الذي هو جنسٌ لِلَّغْو وللسَّلام٢. وكذلك قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ٢٤ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥]، فإنَّ الحميمَ والغسَّاقَ داخلٌ في جنس المذوق٣ المنقسم. فكأنّه قيل في الأوَّل: لا يسمعون فيها شيئًا إلّا سلامًا، وفي الثّاني: لا يذوقون فيها شيئًا إلّا حميمًا وغسَّاقًا٤. ونصَّ على فردٍ من أفراد الجنس صريحًا، ليكون نفيهُ بطريق التَّصريح والتَّنصيص، لا بطريق العموم الذي يتطرّقَ إليه

  1. (١) في النسخ: "والذين" ذكر الواو في معنى الآية تبعًا للسهو الواقع في نصِّها في النسخ كما سبق (ص ٤٩٢).
  2. (٢) وانظر: "زاد المعاد" (٥/ ١٧٩).
  3. (٣) ل، ج، "الذوق".
  4. (٤) وانظر: "بدائع الفوائد" (٣/ ٩٤٤).
490

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي