مدارج السالكين

وقيل: الكبائر: ذنوبُ العمد. والسّيِّئاتُ: الخطأُ والنِّسيانُ وما أُكرِهَ عليه وحديثُ النَّفس المرفوعةُ١ عن هذه الأمّة٢.

قلتُ: هذا من أضعف الأقوال طردًا وعكسًا، فإنَّ الخطأَ والنِّسيانَ والإكراهَ لا يدخل تحت جنس المعاصي، حتّى يكون أحدَ قِسْمَيْها. والعَمْدُ نوعان: نوع كبائر، ونوع صغائر، ولعلَّ صاحبَ هذا القول يرى أنَّ الذُّنوب كلَّها كبائر، وأنَّ الصَّغائرَ ما عفا الله لهذه الأمّة عنه ولم يدخل تحت التّكليف. وهذا غير صحيحٍ، فإنَّ الكبائر والصّغائر نوعان تحت جنس المعصية، ويستحيلُ وجودُ النَّوع بدون جنسه.

وقيل: الكبائرُ ذنوب المستحِلِّين مثل ذنب إبليس. والصَّغائرُ ذنوبُ المستغفِرين مثل ذنب آدم ﵇٣.

قلتُ: أمّا المستحِلُّ، فذنبُه دائرٌ بين الكفر والتّأويل، فإنَّه إن كان عالمًا بالتَّحريم فكافرٌ، وإن لم يكن عالمًا به فمتأوِّلٌ أو مقلِّدٌ. وأمّا المُستغفِرُ، فإنَّ استغفارَه الكاملَ يمحو كبائره وصغائره، فلا كبيرةَ مع الاستغفار. فهذا الفرقُ ضعيفٌ أيضًا، إلّا أن يكون مرادُ صاحبه أنَّ ما يفعلُه المستحلُّ من الذَّنب أعظَمُ عقوبةً ممّا يفعله المعترِفُ بالتَّحريم، النَّادمُ على الذَّنب، المستغفِرُ

  1. (١) كذا في النسخ و"تفسير الثعلبي" (٣/ ٢٩٦). وفي مطبوعة "تفسير البغوي": "المرفوع".
  2. (٢) "تفسير البغوي" (٢/ ٢٠٣). وعزاه الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٢٩٦) إلى أحمد بن عاصم الأنطاكي.
  3. (٣) المصدر السابق. وعزاه الثعلبي (٣/ ٢٩٦) إلى المحاسبي.
498

منه. وهذا صحيحٌ.

وقال السُّدِّيُّ: الكبائر: ما نهى الله عنه من الذُّنوب الكِبار. والسَّيِّئاتُ مقدِّماتُها وتوابعُها ممَّا يجتمع فيه الصَّالحُ والفاسقُ، مثل النَّظرة واللَّمْسَة١ والقبلة وأشباهها، واحتجَّ بقول النّبيِّ ﷺ: "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرِّجلان تزنيان، ويصدِّق ذلك كلّه٢ الفرجُ أو يكذِّبه"٣.

وقيل: الكبائر: ما يستصغره العباد. والصَّغائر: ما يستعظمونه، فيخافون مواقعته٤. واحتجَّ أربابُ هذه المقالة بما روى البخاريُّ في "صحيحه"٥ عن أنسٍ - ﵁قال: إنَّكم لَتعملون أعمالًا، هي أدقُّ في أعينكم من الشَّعَر، كنَّا نُعدُّها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات.

قلتُ: أمَّا قولُ السُّدِّيِّ: "الكبائر ما نهى الله عنه من الذُّنوب الكبار"، فبيانٌ للشَّيء بنفسه، فإنَّ الذُّنوبَ الكبارَ هي الكبائر. وإنَّما مرادُه أنَّ المنهيَّ عنه قسمان:

أحدهما: ما هو مشتملٌ على المفسدة بنفسه، فنفسُ فعلِه منشأ المفسدة، فهذا كبيرةٌ، كقتل النَّفس والسَّرِقة والقذف والزِّنى٦.

  1. (١) ما عدا ع: "اللَّمَّة"، وفي "تفسير البغوي" ما أثبت، وانظر ما يأتي في تفسير كلام السُّدِّي.
  2. (٢) "كله" ساقط من ج، ش. وفي ج: "والفرج يصدِّق ذلك".
  3. (٣) أخرجه أحمد (١٠٨٢٩) وابن حبان (٤٤١٩) من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح، وأصله في "الصحيحين" كما تقدم (ص ٤٨٦).
  4. (٤) "تفسير البغوي" (٢/ ٢٠٣).
  5. (٥) برقم (٦٤٩٢).
  6. (٦) ج: "والزنى والقذف".
499

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي