مدارج السالكين

أو سياسةً، أو تقليدَ مقلِّدٍ؟ ولقد كرَّم الله أعينَهم وصانها أن تنظر إلى وجهِ مَن هذا حالُه أو يكون في زمانهم. ولقد حكَم عمرُ بن الخطّاب ﵁ على من قدَّم حكمَه على نصِّ الرسول ﷺ بالسَّيف، وقال: هذا حكمي فيه١. فيالله! كيف لو رأى ما رأينا، وشاهدَ ما بُلينا به من تقديم رأيِ كلِّ فلانٍ وفلانٍ على قول المعصوم، ومعاداةِ من اطَّرَح آراءَهم، وقدَّم عليها قولَ المعصوم؟ فالله المستعان، وهو الموعد.

وقيل: الكبائر: الشِّرك وما يؤدِّي إليه. والصَّغائر: ما عدا الشِّرك من ذنوب أهل التَّوحيد٢.

واحتجَّ أربابُ هذه المقالة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].

واحتجُّوا بقوله ﷺ فيما يروي عن ربِّه ﵎: "ابنَ آدم، لو أتيتَني بقُراب الأرض خطايا، ثمَّ لَقِيتَني لا تشرك بي شيئًا، لَقِيتُكَ بقُرابها مغفرةً"٣.

واحتجُّوا أيضًا بالحديث الذي روي مرفوعًا وموقوفًا: "الظُّلمُ عند الله٤ ثلاثُ دواوين: ديوانٌ لا يغفر الله منه شيئًا، وهو الشِّرك. وديوانٌ لا يترك منه شيئًا، وهو ظلمُ العبادِ بعضِهم بعضًا. وديوانٌ لا يعبأ الله به شيئًا، وهو ظلمُ

  1. (١) أخرجه ابن وهب في تفسير القرآن من "الجامع" (١/ ٧١)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في "التفسير" (٥٥٦٠). قال ابن كثير في "التفسير" (النساء: ٦٥): "وهو أثر غريب، وهو مرسل، وابن لهيعة ضعيف".
  2. (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٢٠٤).
  3. (٣) تقدَّم تخريجه (ص ٣٠٢).
  4. (٤) لم يرد "عند الله" في ع.
501

العبد نفسَه بينه وبين ربِّه"١.

فهذا جملة ما احتجَّ به٢ أربابُ هذه المقالة، ولا حجّةَ لهم في شيءٍ منه.

أمَّا الآية، فإنَّ غايتَها التَّفريقُ بين الشِّرك وغيره، وأنَّ الشِّركَ لا يُغفر إلّا بالتَّوبة منه، وأمَّا ما دون الشِّرك، فهو مردودٌ٣ إلى مشيئة الله٤. وهذا يدلُّ على أنَّ المعاصيَ دون الشِّرك، وهذا حقٌّ. فإن أراد أربابُ هذا القول هذا، فلا نزاعَ فيه. وإن أرادوا أنَّ كلَّ ما دون الشِّرك فهو صغيرةٌ في نفسه، فباطلٌ.

فإن قيل: فإذا كان الشِّركُ وغيرُه ممّا تأتي عليه التَّوبةُ، فما وجهُ الفرق بين الشِّرك وما دونه؟ وهل هما في حقِّ التَّائب أم غير التَّائب؟ أم أحدُهما في حقِّ التَّائب والآخَرُ لغيره؟ وما الفرقُ بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]؟

فالجواب: أنَّ كلَّ واحدةٍ من الآيتين لطائفةٍ. فآيةُ النِّساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] هي لغير التّائبين في القسمين.

والدَّليلُ عليه: أنَّه فرَّق بين الشِّرك وغيره في المغفرة، ومن المعلوم بالاضطرار

  1. (١) سبق قريبًا (ص ٤٩٧).
  2. (٢) "به" من ج، ش، ع.
  3. (٣) ع: "موكول".
  4. (٤) ش: "المشيئة".
502

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي