مدارج السالكين

من دين الإسلام أنَّ الشِّركَ يُغْفَر بالتَّوبة، وإلَّا لم يصحَّ إسلامُ كافرٍ أبدًا.

وأيضًا فإنَّه خصَّص مغفرةَ ما دون الشِّرك بمَن يشاء، ومغفرةُ الذُّنوب للتّائبين عامّةٌ لا تخصيص فيها، فخصَّص وقيَّد١. وهذا يدلُّ على أنّه حكمُ غيرِ التّائب.

وأمّا آيةُ الزُّمر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، فهي في حقِّ التَّائب، لأنّه أطلَق وعمَّم، فلم يخُصَّها بأحدٍ، ولم يقيِّدها بذنبٍ. ومن المعلوم بالضَّرورة أنَّ الكفَر لا يغفره، وكثيرٌ من الذُّنوب لا يغفرها. فعُلِمَ أنَّ هذا الإطلاقَ والتَّعميمَ في حقِّ التّائب، فكلُّ مَن تاب ــ من أيِّ ذنبٍ كان ــ غُفِرَ له.

وأمّا الحديث الآخر: "لو لقيتني بقُراب الأرض خطايا، ثمَّ لقيتَني لا تشرك بي شيئًا، أتيتُك بقُرابها مغفرةً"، فلا يدلُّ هذا على أنَّ ما عدا الشِّركَ كلَّه صغائر، بل يدلُّ على أنَّ مَن لم يشرك بالله شيئًا فذنوبُه مغفورةٌ كائنةً ما كانت. ولكن ينبغي أن يُعلمَ ارتباطُ أعمال القلوب بأعمال الجوارح وتعلُّقُها بها، وإلّا لم يُفهَمْ مرادُ الرَّسول ﷺ، ووقع الخبطُ والتَّخبيطُ.

فاعلم أنَّ هذا النَّفيَ العامَّ للشِّرك: أن لا يُشرك بالله شيئًا البتَّةَ، لا يصدر من مصرٍّ على معصيةٍ أبدًا، ولا يمكن مدمنَ الكبيرةِ والمصرَّ على الصَّغيرةِ أن يصفو له التَّوحيدُ حتّى لا يشرك بالله شيئًا. هذا من أعظم المحال.

ولا تلتفِتْ إلى جدليٍّ لا حظَّ له من أعمال القلوب، بل قلبُه كالحجر أو أقسى، يقول: وما المانع؟ وما وجه الإحالة؟ ولو فُرِضَ ذلك واقعًا لم يلزم منه محالٌ لذاته!

  1. (١) ق، ل: "فتخصّص وتقيّد".
503

فدَعْ هذا القلبَ المفتونَ بجدله وجهله، واعلم أنَّ الإصرارَ على المعصية يُوجِب من خوف القلب من غير الله، ورجائه لغير الله، وحبِّه لغير الله، وذلِّه لغير الله، وتوكُّله على غير الله= ما يصير به منغمسًا في بحار الشِّرك. والحاكمُ في هذا: ما يعلمه الإنسان من نفسه، إن كان له عقلٌ. فإنَّ ذلَّ المعصية لا بدَّ أن يقومَ بالقلب، فيورثَه خوفًا من غير الله تعالى، وذلك شركٌ؛ ويورثَه محبّةً لغير الله، واستعانةً بغيره في الأسباب التي تُوصِله إلى غرضه، فيكون عملُه لا بالله ولا له، وهذا حقيقة الشِّرك.

نعم، يكون معه توحيدُ أبي جهلٍ وعُبَّادِ الأصنام، وهو توحيد الرُّبوبيّة، وهو الاعترافُ بأنّه لا خالق إلّا الله. ولو أنجى هذا التَّوحيدُ وحده لأنجى عُبَّادَ الأصنام. والشَّأنُ في توحيد الإلهيّة الذي هو الفارقُ بين المشركين والموحِّدين.

والمقصود: أنَّ مَن لم يشرك بالله شيئًا يستحيلُ أن يلقى الله بقُراب الأرض خطايا مصرًّا عليها غيرَ تائبٍ منها، مع كمال توحيده الذي هو غايةُ الحبِّ والخضوع والخوف والرَّجاء للرَّبِّ تعالى.

وأمّا حديث الدّواوين، فإنّما فيه أنَّ حقَّ الرَّبِّ ﵎ لا يؤوده أن يهَبَه ويُسقطه، ولا يحتفلَ به ويعتنيَ به كحقوق عباده. وليس معناه: أنّه لا يؤاخِذ به البتَّة، أو أنَّه كلَّه صغائرُ، وإنّما معناه أنّه يقع فيه من المسامحة والمساهلة والإسقاط والهبة ما لا يقع مثلُه في حقوق الآدميِّين.

فظهر١ أنَّه لا حجَّة لهم في شيءٍ ممَّا احتجُّوا به. والله أعلم.

  1. (١) ما عدا ج، م، ع: "وظهر".
504

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي