مدارج السالكين

فدَعْ هذا القلبَ المفتونَ بجدله وجهله، واعلم أنَّ الإصرارَ على المعصية يُوجِب من خوف القلب من غير الله، ورجائه لغير الله، وحبِّه لغير الله، وذلِّه لغير الله، وتوكُّله على غير الله= ما يصير به منغمسًا في بحار الشِّرك. والحاكمُ في هذا: ما يعلمه الإنسان من نفسه، إن كان له عقلٌ. فإنَّ ذلَّ المعصية لا بدَّ أن يقومَ بالقلب، فيورثَه خوفًا من غير الله تعالى، وذلك شركٌ؛ ويورثَه محبّةً لغير الله، واستعانةً بغيره في الأسباب التي تُوصِله إلى غرضه، فيكون عملُه لا بالله ولا له، وهذا حقيقة الشِّرك.

نعم، يكون معه توحيدُ أبي جهلٍ وعُبَّادِ الأصنام، وهو توحيد الرُّبوبيّة، وهو الاعترافُ بأنّه لا خالق إلّا الله. ولو أنجى هذا التَّوحيدُ وحده لأنجى عُبَّادَ الأصنام. والشَّأنُ في توحيد الإلهيّة الذي هو الفارقُ بين المشركين والموحِّدين.

والمقصود: أنَّ مَن لم يشرك بالله شيئًا يستحيلُ أن يلقى الله بقُراب الأرض خطايا مصرًّا عليها غيرَ تائبٍ منها، مع كمال توحيده الذي هو غايةُ الحبِّ والخضوع والخوف والرَّجاء للرَّبِّ تعالى.

وأمّا حديث الدّواوين، فإنّما فيه أنَّ حقَّ الرَّبِّ ﵎ لا يؤوده أن يهَبَه ويُسقطه، ولا يحتفلَ به ويعتنيَ به كحقوق عباده. وليس معناه: أنّه لا يؤاخِذ به البتَّة، أو أنَّه كلَّه صغائرُ، وإنّما معناه أنّه يقع فيه من المسامحة والمساهلة والإسقاط والهبة ما لا يقع مثلُه في حقوق الآدميِّين.

فظهر١ أنَّه لا حجَّة لهم في شيءٍ ممَّا احتجُّوا به. والله أعلم.

  1. (١) ما عدا ج، م، ع: "وظهر".
504

وقالت فرقةٌ: الصَّغائرُ ما دون الحدَّين. والكبائر ما تعلَّق بها أحدُ الحدَّين١.

ومرادهم بالحدَّين: عقوبة الدُّنيا والآخرة، فكلُّ ذنبٍ عليه عقوبةٌ مشروعةٌ محدودةٌ في الدُّنيا كالزِّنى والشُّرب والسَّرِقة والقذف، أو عليه وعيدٌ في الآخرة كأكلِ مال اليتيم، والشُّرْبِ في آنية الفضّة والذّهب، وقتلِ الإنسان نفسَه، وخيانة أمانته، ونحو ذلك= فهو من الكبائر. وصدق ابنُ عبَّاسٍ ﵄٢، هي إلى السَّبعمائة أقرَبُ منها إلى السَّبع٣.

فصل

وهاهنا أمرٌ ينبغي التّفطُّن له، وهو أنَّ الكبيرةَ قد يقترن بها من الحياءِ والخوفِ والاستعظامِ لها ما يُلْحِقها بالصَّغائر، وقد يقترن بالصَّغيرة من قلَّةِ الحياء وعدمِ المبالاة وتركِ الخوف والاستهانةِ بها ما يُلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رتبها.

وهذا أمرٌ مرجعُه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدرٌ زائدٌ على مجرَّد الفعل، والإنسانُ يعرف ذلك من نفسه وغيره.

وأيضًا فإنَّه يُعفى للمحبِّ ولصاحب الإحسان العظيم ما لا يُعفَى لغيره، ويسامَحُ بما لا يسامَح به غيرُه.

  1. (١) انظر: "مجموع الفتاوى" (١١/ ٦٥٠، ٦٥٨)، وهو عند شيخ الإسلام أمثل الأقوال في هذه المسألة.
  2. (٢) بعده في ع زيادة: "في قوله".
  3. (٣) تقدَّم تخريجه (ص ٤٩٤).
505

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي