مدارج السالكين

وقالت فرقةٌ: الصَّغائرُ ما دون الحدَّين. والكبائر ما تعلَّق بها أحدُ الحدَّين١.

ومرادهم بالحدَّين: عقوبة الدُّنيا والآخرة، فكلُّ ذنبٍ عليه عقوبةٌ مشروعةٌ محدودةٌ في الدُّنيا كالزِّنى والشُّرب والسَّرِقة والقذف، أو عليه وعيدٌ في الآخرة كأكلِ مال اليتيم، والشُّرْبِ في آنية الفضّة والذّهب، وقتلِ الإنسان نفسَه، وخيانة أمانته، ونحو ذلك= فهو من الكبائر. وصدق ابنُ عبَّاسٍ ﵄٢، هي إلى السَّبعمائة أقرَبُ منها إلى السَّبع٣.

فصل

وهاهنا أمرٌ ينبغي التّفطُّن له، وهو أنَّ الكبيرةَ قد يقترن بها من الحياءِ والخوفِ والاستعظامِ لها ما يُلْحِقها بالصَّغائر، وقد يقترن بالصَّغيرة من قلَّةِ الحياء وعدمِ المبالاة وتركِ الخوف والاستهانةِ بها ما يُلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رتبها.

وهذا أمرٌ مرجعُه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدرٌ زائدٌ على مجرَّد الفعل، والإنسانُ يعرف ذلك من نفسه وغيره.

وأيضًا فإنَّه يُعفى للمحبِّ ولصاحب الإحسان العظيم ما لا يُعفَى لغيره، ويسامَحُ بما لا يسامَح به غيرُه.

  1. (١) انظر: "مجموع الفتاوى" (١١/ ٦٥٠، ٦٥٨)، وهو عند شيخ الإسلام أمثل الأقوال في هذه المسألة.
  2. (٢) بعده في ع زيادة: "في قوله".
  3. (٣) تقدَّم تخريجه (ص ٤٩٤).
505

وسمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيميّة ﵁ يقول: انظر إلى موسى ــ صلواتُ الله وسلامُه عليه ــ رمى الألواح التي فيها كلامُ الله الذي كتَبه بيده فكسَرها، وجرَّ بلحيةِ١ نبيٍّ مثلِه ورأسِه، وهو هارون٢؛ ولطَم عينَ ملَكِ الموت ففقأها٣، وعاتَب ربَّه ليلةَ الإسراء في محمَّدٍ ﷺ ورفعِه عليه٤؛ وربُّه ﵎ يحتمل له ذلك كلَّه، ويحبُّه ويكرمه٥ ويدلِّلُه، لأنَّه قام لله المقاماتِ٦ العظيمةَ في مقابلةِ أعدى عدوٍّ له، وصدَعَ بأمره، وعالج أمَّةَ القبط وأمَّةَ بني إسرائيل أشدَّ المعالجة= فكانت هذه الأمورُ كالشَّعرة في البحر. وانظر إلى يونس بن متّى حيث لم يكن له هذه٧ المقامات التي لموسى ﷺ، غاضَبَ ربَّه٨ مرّةً، فأخَذه وسجَنه في بطن الحوت، ولم يحتمل له ما احتمل لموسى ﷺ.

وفرقٌ بينَ من إذا٩ أتى بذنبٍ لم يكن له من الإحسان والمحاسن ما يشفع له، وبينَ من إذا أتى بذنبٍ جاءت محاسنُه بكلِّ شفيعٍ، كما قيل١٠:

  1. (١) بعده في ش زيادة: "أخيه".
  2. (٢) كما ورد في سورة الأعراف [١٥٠] وسورة طه [٩٤].
  3. (٣) يشير إلى حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢).
  4. (٤) كما جاء في حديث مالك بن صعصعة، أخرجه البخاري (٣٨٨٧)، ومسلم (١٦٤).
  5. (٥) سقط بعده في التصوير ق ٩٣/ب- ٩٤/أ من الأصل.
  6. (٦) ع: "تلك المقامات" بزيادة "تلك".
  7. (٧) ع: "تلك".
  8. (٨) لفظ "ربَّه" ساقط من ع.
  9. (٩) "إذا" ساقطة من ش هنا وفيما يأتي.
  10. (١٠) في ع: "شعر" بدلًا من "كما قيل".
506

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي