وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍجاءت محاسنُه بألفِ شفيعِ١
فالأعمالُ تشفَع لصاحبها عند الله، وتذكِّر به إذا وقَع في الشّدائد. قال تعالى عن ذي النُّون: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ١٤٣ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]٢.
وفي "المسند"٣ عنه ﷺ٤: "إنّ ما تذكرون من جلال الله من التَّسبيح والتَّكبير والتَّحميد يتعاطفن حول العرش، لهنّ دويٌّ كدويِّ النَّحل، يذكِّرن بصاحبهنّ. أفلا يحبُّ أحدكم أن يكون له من يُذكِّر به؟ ".
ولهذا من رجَحَت حسناتُه على سيِّئاته أفلَحَ ولم يعذَّب، ووُهِبَت له سيِّئاتُه لأجل حسناته.
ولأجل هذا يُغفَر لصاحب التَّوحيد ما لا يُغفَر لصاحب الإشراك، لأنّه
(١) أنشده المؤلف في "الفوائد" (ص ٢٨٣)، و"الزَّاد" (٣/ ٢٠٠)، و"المفتاح" (١/ ٥٠٧) أيضًا. وقد كثر التمثُّل به في المصادر ولكن دون عزو، ومنها: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٧٥)، و"أمالي ابن الشجري" (٣/ ٢٦٧)، و"تمام المتون" (ص ٨٩).
(٢) في ع بعده زيادة: "وفرعونُ لم تكن له سابقةُ خيرٍ تشفَع له، ولهذا لما قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾[يونس: ٩٠] قال له جبرئيل: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾[يونس: ٩١] ".
(٣) برقم (١٨٣٦٢) من حديث النعمان بن بشير ﵁. وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٣٨٠٩) والطبراني في "الدعاء" (١٦٩٣) وفي "الكبير" (٢١/ ٢٤، ٢٥) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢٧٥) وغيرهم، والحديث صححه الحاكم (١/ ٥٠٠، ٥٠٣) والألباني في "مختصر العلو" (ص ٩٦) وفي "الصحيحة" (٣٣٥٨).
(٤) بعده في ع زيادة: "أنه قال".
قد قام به ممّا يحبُّه الله ما اقتضى أن يغفِرَ له ويُسامِحَه ما لا يسامِحُ به المشركَ. وكلَّما كان توحيدُ العبد أعظمَ كانت مغفرةُ الله له أتمَّ. فمن لقيه لا يشرك به شيئًا البَتَّةَ غفرَ له ذنوبَه كلَّها، كائنةً ما كانت، ولم يُعذِّب بها.
ولسنا نقول: إنّه لا يدخل النَّارَ أحدٌ من أهل التَّوحيد، بل كثيرٌ منهم يدخل بذنوبه، ويعذَّب على مقدار جُرمه، ثمَّ يخرج منها؛ ولا تنافي بين الأمرين لمن أحاط علمًا بما قدَّمناه. ونزيده هاهنا إيضاحًا لعِظَم هذا المقام من شدَّة الحاجة١ إليه:
اعلم أنَّ أشعَّةَ لا إله إلّا الله تُقطِّع من ضَبابِ الذُّنوب وغَيمها بقدر قوَّة ذلك الشُّعاع وضَعْفِه، فلها نورٌ، وتفاوتُ أهلها في ذلك النُّور قوّةً وضعفًا لا يحصيه إلّا الله تعالى. فمن النّاس مَن نورُ هذه الكلمة في قلبه كالشَّمس. ومنهم مَن نورُها في قلبه كالكوكب الدُّرِّيِّ. ومنهم مَن نورُها في قلبه كالمِشْعَل العظيم، وآخَرُ كالسِّراج المضيء، وآخَر كالسِّراج الضَّعيف.
ولهذا تظهر الأنوارُ٢ يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على٣ هذا المقدار، بحسب ما هو في قلوبهم من نور هذه الكلمة علمًا وعملًا ومعرفةً وحالًا. وكلَّما عظُمَ نورُ الكلمة واشتدَّ أحرَقَ من الشُّبهات والشَّهوات بحسب قوَّته وشدَّته، حتّى إنَّه ربَّما وصل إلى حالٍ لا يصادف شبهةً ولا شهوةً ولا ذنبًا إلَّا أحرَقَه٤.