مدارج السالكين

قد قام به ممّا يحبُّه الله ما اقتضى أن يغفِرَ له ويُسامِحَه ما لا يسامِحُ به المشركَ. وكلَّما كان توحيدُ العبد أعظمَ كانت مغفرةُ الله له أتمَّ. فمن لقيه لا يشرك به شيئًا البَتَّةَ غفرَ له ذنوبَه كلَّها، كائنةً ما كانت، ولم يُعذِّب بها.

ولسنا نقول: إنّه لا يدخل النَّارَ أحدٌ من أهل التَّوحيد، بل كثيرٌ منهم يدخل بذنوبه، ويعذَّب على مقدار جُرمه، ثمَّ يخرج منها؛ ولا تنافي بين الأمرين لمن أحاط علمًا بما قدَّمناه. ونزيده هاهنا إيضاحًا لعِظَم هذا المقام من شدَّة الحاجة١ إليه:

اعلم أنَّ أشعَّةَ لا إله إلّا الله تُقطِّع من ضَبابِ الذُّنوب وغَيمها بقدر قوَّة ذلك الشُّعاع وضَعْفِه، فلها نورٌ، وتفاوتُ أهلها في ذلك النُّور قوّةً وضعفًا لا يحصيه إلّا الله تعالى. فمن النّاس مَن نورُ هذه الكلمة في قلبه كالشَّمس. ومنهم مَن نورُها في قلبه كالكوكب الدُّرِّيِّ. ومنهم مَن نورُها في قلبه كالمِشْعَل العظيم، وآخَرُ كالسِّراج المضيء، وآخَر كالسِّراج الضَّعيف.

ولهذا تظهر الأنوارُ٢ يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على٣ هذا المقدار، بحسب ما هو في قلوبهم من نور هذه الكلمة علمًا وعملًا ومعرفةً وحالًا. وكلَّما عظُمَ نورُ الكلمة واشتدَّ أحرَقَ من الشُّبهات والشَّهوات بحسب قوَّته وشدَّته، حتّى إنَّه ربَّما وصل إلى حالٍ لا يصادف شبهةً ولا شهوةً ولا ذنبًا إلَّا أحرَقَه٤.

  1. (١) ع: "وشدة الحاجة".
  2. (٢) ع: "هذه الأنوار" بزيادة اسم الإشارة.
  3. (٣) ع: "وعلى".
  4. (٤) ما عدا ج، ع: "أحرقته".
508

وهذه حالُ الصَّادق في توحيده، الذي لم يُشرك بالله شيئًا. فأيُّ ذنبٍ أو شهوةٍ أو شبهةٍ دنت من هذا النُّور أحرَقَها. فسماءُ إيمانه قد حُرِسَتْ بالنُّجوم من كلِّ سارقٍ لحسناته، فلا ينال منه السَّارقُ إلّا على غِرَّةٍ وغفلةٍ لا بدَّ منها للبشر. فإذا استيقظ وعَلِمَ ما سُرِقَ منه استنقذه من سارقه، أو حصَّل أضعافَه بكسبه. فهو هكذا أبدًا مع لصوص الجنِّ والإنس، ليس كمن فَتَح لهم خِزانتَه١، وولّى البابَ ظهرَه.

وليس التَّوحيدُ مجرَّدَ إقرارِ العبد بأنَّه لا خالقَ إلّا الله وأنَّ الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، كما كان عبَّادُ الأصنام مقرِّين بذلك وهم مشركون. بل التَّوحيدُ يتضمَّن من محبّةِ الله، والخضوعِ له، والذُّلِّ له، وكمالِ الانقياد لطاعته، وإخلاصِ العبادة له، وإرادةِ وجهه الأعلى بجميع٢ الأقوال والأعمال، والمنع والعطاء، والحبِّ والبغض= ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الدَّاعية إلى المعاصي والإصرار عليها.

ومَن عرَف هذا عرَف قولَ النّبيِّ ﷺ: "إنَّ الله حرَّم على النّار مَن قال: لا إله إلّا الله، يبتغي بذلك وجه الله"٣، وقوله: "لا يدخُل النّارَ مَن قال: لا إله إلّا الله"٤، وما جاء من هذا الضّرب من الأحاديث التي أشكلت على كثيرٍ من النّاس، حتّى ظنَّها بعضُهم منسوخةً، وظنَّها بعضُهم قبلَ ورود الأوامر والنَّواهي واستقرار الشَّرع. وحمَلهَا بعضُهم على نار المشركين والكفّار،

  1. (١) ع: "انفتح له خزانة أعماله"!
  2. (٢) ل، م: "فجميع"، تصحيف.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣) من حديث عِتبان بن مالكَ ﵁.
  4. (٤) جاء نحوه في الحديث السابق عند مسلم (٣٣/ ٥٤).
509

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي