جعَل١ ينوء بصدره وهو يعالج سكَراتِ الموت٢ = فهذا أمرٌ آخر، وإيمانٌ آخر. ولا جرَمَ أُلْحِقَ بالقرية الصَّالحة، وجُعِلَ من أهلها.
وقريبٌ من هذا ما قام بقلب البغيِّ التي رأت ذلك الكلبَ، وقد اشتدَّ به العطَشُ٣ يأكل الثَّرى، فقام بقلبها ذلك الوقتَ ــ مع عدم الآلة، وعدم المُعين وعدم مَن تُرائيه بفعلها ــ ما حملها على أن غرَّرت بنفسها في نزول البئر ومَلْءِ الماء في خفِّها ــ ولم تعبأ بتعرُّضه للتَّلَف ــ وحملِها له بفيها وهو ملآنُ، حتّى أمكنها الرُّقيُّ في البئر، ثمَّ تواضُعِها لهذا المخلوق الذي جرت عادة النّاس بضربه وطرده، فأمسكت له الخفَّ بيدها حتّى شربَ، من غير أن ترجو منه جزاءً ولا شكورًا٤. فأحرقت أنوارُ هذا القدر من التّوحيد٥ ما تقدَّم منها من البغاء، فغُفِر لها.
(١) ع: "تلك الحال إلى أن أوفدته من منازل الصالحين وألحقته بأهل الصلاح حتى جعل"!
(٢) يشير إلى حديث الرجل من بني إسرائيل الذي قتل تسعة وتسعين إنسانًا ثم خرج يسأل إلخ. أخرجه البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) بعده في ع زيادة: "وهو".
(٤) قصة البغي أخرجها البخاري (٣٤٦٧)، ومسلم (٢٢٤٥) من حديث أبي هريرة ﵁، ولكن ما حكاه المصنف عنها ورد في قصة رجل رأى كلبًا يأكل الثرى من العطش، فنزل البئر فملأ خفَّه ماء ... الحديث. وقد أخرجه البخاري (٢٣٦٣)، ومسلم (٢٢٤٤) من حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا.
(٥) "من التوحيد" من ع.
فهكذا حالُ الأعمالِ والعُمَّال عند الله. والعاملُ١ في غفلةٍ من هذا الإكسير الكيمياويِّ٢، الذي إذا وُضِع منه مثقالٌ٣ على قناطيرَ من نحاس الأعمال قَلبَها ذهبًا. والله المستعان.
فصل
فإن قيل: فقد ذكرتم أنَّ المحبَّ يسامَحُ بما لا يسامَحُ به غيرُه، ويعفى للوليِّ عمَّا لا يعفى لسواه. وكذلك العالِمُ أيضًا يُغفَر له ما لا يُغفَر للجاهل، كما روى الطَّبرانيُّ٤
بإسنادٍ جيِّدٍ مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ: "إنّ الله إذا جمَع
(١) ما عدا ع: "العامل"، وفي ج فوقها: "ينظر" ولعله تصحيف مع أنَّ في الصفحة التالية من الأصل بلاغًا للمقابلة والقراءة على المصنف.
(٢) م، ش: "الكيماوي".
(٣) ش: "مثقال ذرة".
(٤) في "الأوسط" (٤٢٦٤) وفي "الصغير" (٥٩١)، وأخرجه أيضًا الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٣/ ٣٨٣) والبيهقي في "المدخل" (٥٦٧) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٣٢، ٢٣٣ - دار الإمام البخاري) وغيرهم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. وفي إسناده طلحة بن زيد، متهم بالوضع؛ وشيخه موسى بن عبيد الله الربذي، لا يحتج به؛ وشيخه سعيد بن أبي هند لم يلق أبا موسى. والحديث قال عنه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٣٢٩) بعد أن أخرجه: "باطل". وقال الألباني في "ضعيف الترغيب" (٦٢): "موضوع"، وأدخله ابن الجوزي في "الموضوعات" (٥١٢) وكذا السيوطي في "الآلي المصنوعة" (١/ ٢٠١) وابن عراق الكناني في "تنزيه الشريعة" (١/ ٢٨٦). وانظر: "الضعيفة" (٨٦٨). وأخرجه الجوهري في "مسند الموطأ" (١٣) وابن عبد البر في "الجامع" (٢٣١) عن عبد الله بن داود الخُرَيبي ــ من ثقات أتباع التابعين ــ مقطوعًا عليه من قوله بإسناد صحيح، ولفظه: "إذا كان يوم القيامة عزل الله ﷿ العلماء عن الحساب فيقول: ادخلوا الجنة على ما كان فيكم، إني لم أجعل حكمتي فيكم إلا لخير أردته بكم".