مدارج السالكين

فهكذا حالُ الأعمالِ والعُمَّال عند الله. والعاملُ١ في غفلةٍ من هذا الإكسير الكيمياويِّ٢، الذي إذا وُضِع منه مثقالٌ٣ على قناطيرَ من نحاس الأعمال قَلبَها ذهبًا. والله المستعان.

فصل

فإن قيل: فقد ذكرتم أنَّ المحبَّ يسامَحُ بما لا يسامَحُ به غيرُه، ويعفى للوليِّ عمَّا لا يعفى لسواه. وكذلك العالِمُ أيضًا يُغفَر له ما لا يُغفَر للجاهل، كما روى الطَّبرانيُّ٤

بإسنادٍ جيِّدٍ مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ: "إنّ الله إذا جمَع

  1. (١) ما عدا ع: "العامل"، وفي ج فوقها: "ينظر" ولعله تصحيف مع أنَّ في الصفحة التالية من الأصل بلاغًا للمقابلة والقراءة على المصنف.
  2. (٢) م، ش: "الكيماوي".
  3. (٣) ش: "مثقال ذرة".
  4. (٤) في "الأوسط" (٤٢٦٤) وفي "الصغير" (٥٩١)، وأخرجه أيضًا الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٣/ ٣٨٣) والبيهقي في "المدخل" (٥٦٧) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٣٢، ٢٣٣ - دار الإمام البخاري) وغيرهم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. وفي إسناده طلحة بن زيد، متهم بالوضع؛ وشيخه موسى بن عبيد الله الربذي، لا يحتج به؛ وشيخه سعيد بن أبي هند لم يلق أبا موسى. والحديث قال عنه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٣٢٩) بعد أن أخرجه: "باطل".
    وقال الألباني في "ضعيف الترغيب" (٦٢): "موضوع"، وأدخله ابن الجوزي في "الموضوعات" (٥١٢) وكذا السيوطي في "الآلي المصنوعة" (١/ ٢٠١) وابن عراق الكناني في "تنزيه الشريعة" (١/ ٢٨٦). وانظر: "الضعيفة" (٨٦٨).
    وأخرجه الجوهري في "مسند الموطأ" (١٣) وابن عبد البر في "الجامع" (٢٣١) عن عبد الله بن داود الخُرَيبي ــ من ثقات أتباع التابعين ــ مقطوعًا عليه من قوله بإسناد صحيح، ولفظه: "إذا كان يوم القيامة عزل الله ﷿ العلماء عن الحساب فيقول: ادخلوا الجنة على ما كان فيكم، إني لم أجعل حكمتي فيكم إلا لخير أردته بكم".
513

النّاسَ يوم القيامة في صعيدٍ واحدٍ قال للعلماء: إنِّي كنت أُعبَدُ بفتواكم، وقد علمتُ أنّكم كنتم تخلِطون ما يخلِط النَّاسُ، وإنِّي لم أضَعْ علمي فيكم وأنا أريد أن أعذِّبكم. اذهبوا، فقد غفرتُ لكم". هذا معنى الحديث، وقد روي مسندًا ومرسلًا.

فهذا الذي ذكرتم صحيحٌ، وهو مقتضى الحكمة والجود والإحسان، ولكن ما تصنعون بالعقوبة المضاعفة التي ورد التَّهديدُ بها في حقِّ أولئك إن وقع منهم ما يُكرَه، كقوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَّفُ١ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ٧٤ إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]، أي لولا تثبيتُنا لك لقد كدتَ تركَنُ إليهم بعضَ الشَّيء، ولو فعلتَ٢ لأذقناك ضِعْفَ عذاب الحياة وضِعْفَ عذاب الممات، أي أضعفنا لك العذابَ في الدُّنيا والآخرة؟

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ٤٤ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ٤٥ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. أي لو أتى بشيءٍ من عند نفسه لأخذنا بيمينه، وقطعنا نياطَ قلبه وأهلكناه. وقد أعاذه الله من هذا٣ الرُّكون إلى أعدائه بذرَّةٍ من قلبه، ومن التَّقوُّل عليه سبحانه. وكم من راكنٍ إلى أعدائه ومتقوِّلٍ عليه من

  1. (١) على قراءة أبي عمرو في الأصل، ج، ع. وفي غيرها: "يُضاعَفْ" على قراءة الكوفيين ونافع.
  2. (٢) بعده في ش زيادة: "ذلك"، وهي في هامش م أيضًا.
  3. (٣) "هذا" ساقط من م، ش، ع.
514

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي