مدارج السالكين

النّاسَ يوم القيامة في صعيدٍ واحدٍ قال للعلماء: إنِّي كنت أُعبَدُ بفتواكم، وقد علمتُ أنّكم كنتم تخلِطون ما يخلِط النَّاسُ، وإنِّي لم أضَعْ علمي فيكم وأنا أريد أن أعذِّبكم. اذهبوا، فقد غفرتُ لكم". هذا معنى الحديث، وقد روي مسندًا ومرسلًا.

فهذا الذي ذكرتم صحيحٌ، وهو مقتضى الحكمة والجود والإحسان، ولكن ما تصنعون بالعقوبة المضاعفة التي ورد التَّهديدُ بها في حقِّ أولئك إن وقع منهم ما يُكرَه، كقوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَّفُ١ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ٧٤ إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]، أي لولا تثبيتُنا لك لقد كدتَ تركَنُ إليهم بعضَ الشَّيء، ولو فعلتَ٢ لأذقناك ضِعْفَ عذاب الحياة وضِعْفَ عذاب الممات، أي أضعفنا لك العذابَ في الدُّنيا والآخرة؟

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ٤٤ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ٤٥ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. أي لو أتى بشيءٍ من عند نفسه لأخذنا بيمينه، وقطعنا نياطَ قلبه وأهلكناه. وقد أعاذه الله من هذا٣ الرُّكون إلى أعدائه بذرَّةٍ من قلبه، ومن التَّقوُّل عليه سبحانه. وكم من راكنٍ إلى أعدائه ومتقوِّلٍ عليه من

  1. (١) على قراءة أبي عمرو في الأصل، ج، ع. وفي غيرها: "يُضاعَفْ" على قراءة الكوفيين ونافع.
  2. (٢) بعده في ش زيادة: "ذلك"، وهي في هامش م أيضًا.
  3. (٣) "هذا" ساقط من م، ش، ع.
514

قِبل نفسه قد أقرَّه ولم يعبأ به كأرباب البدع كلِّهم المتقوِّلين على أسمائه وصفاته ودينه.

وما ذكرتم في قصّة يونس ﵇ هو من هذا الباب، فإنّه لم يسامَح بغَضْبةٍ، وسُجِن لأجلها في بطن الحوت. ويكفي حالُ أبي البشر حيث لم يسامَحْ بلقمةٍ وكانت سبَب إخراجه من الجنّة.

والجوابُ: أنَّ هذا أيضًا حقٌّ، ولا تنافي بين الأمرين؛ فإنَّ مَن كملت عليه نعمةُ الله تعالى، واختصَّه منها بما لم يختصَّ به غيرَه، وأعطاه منها ما حرَمَه غيرَه، فحُبِيَ بالإنعام، وخُصَّ بالإكرام، وخُصَّ بمزيد التَّقريب، وجُعِلَ في منزلة الوليِّ الحبيب= اقتضت حالُه من حفظ مرتبة الولاية والقرب والاختصاص بأن يراعي مرتبتَه من أدنى مشوِّشٍ وقاطعٍ. فلشدّة الاعتناء به، ومزيد تقريبه، واتِّخاذه لنفسه، واصطفائه على غيره= تكون حقوقُ وليِّه وسيِّده عليه أتمَّ، ونعمُه عليه أكملَ، والمطلوبُ منه فوقَ المطلوب من غيره. فهو إذا غفَل وأخلَّ بمقتضى مرتبته نُبِّه بما لم يُنبَّه عليه البعيدُ البَرَّانيُّ، مع كونه يسامَحُ بما لم يسامَحْ به ذلك أيضًا، فيجتمع في حقِّه الأمران.

وإذا أردتَ معرفة اجتماعهما وعدَم تناقضهما، فالواقع شاهدٌ به؛ فإنَّ الملك يسامِحُ خاصَّتَه وأولياءَه بما لا يسامِحُ١ به مَن ليس في منزلتهم، ويؤاخذهم ويؤدِّبُهم بما لم يؤاخذ به غيرَهم. وقد ذكرنا شواهد هذا وهذا، ولا تناقُضَ بين الأمرين.

وأنت إذا كان لك عبدان أو ولدان أو زوجتان، أحدُهما أحبُّ إليك من

  1. (١) ج: "لم يسامح".
515

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي