الآخر وأقربُ إلى قلبك وأعزُّ عليك= عاملتَه بهذين الأمرين، واجتمع في حقِّه المعاملتان بحسب قربه منك، وحبِّك له، وعزَّته عليك. فإذا نظرتَ إلى إكمال إحسانك إليه وإتمام نعمتك عليه اقتضت معاملتُه بما لا يُعامَلُ مَن دونه من التَّنبيه وعدم الإهمال. وإذا نظرتَ إلى إحسانه ومحبّته لك، وطاعته وخدمته، وكمال عبوديّته ونصحه= وهبتَ له وسامحتَه وعفوتَ عنه بما لا تفعله مع غيره. فالمعاملتان بحسب ما منك وما منه.
وقد ظهر اعتبارُ هذا المعنى في الشَّرع، حيث جعَل حدَّ من أنعَم عليه بالتّزوُّج إذا تعدَّاه إلى الزِّنى: الرَّجْمَ، وحدَّ من لم يعطه هذه النِّعمة: الجَلْدَ. وكذلك ضاعف الحدَّ على الحرِّ الذي قد ملَّكه نفسَه، وأتمَّ عليه نعمتَه، ولم يجعله مملوكًا لغيره، وجعَل حدَّ العبد المنقوص بالرِّقِّ١ الذي لم تحصل له هذه النِّعمةُ نصفَ ذلك.
في أجناس ما يتاب منها ولا يستحقُّ العبدُ اسمَ التّائب حتّى يخلص منها
وهي اثنا عشر جنسًا مذكورةٌ في كتاب الله تعالى، هي أجناس
(١) بإزاء هذا السطر في هامش الأصل: "بلغ مقابلة وقراءة على مصنفه ﵁ ".
(٢) لم أقف على البيت، والفاء في "فلله" من الخَزْم، وفي ل، م، ع: "لله" ويظهر أن الفاء طمست من بعضها.
المحرَّمات: الكفر، والشِّرك، والنِّفاق، والفسوق، والعصيان، والإثم، والعدوان، والفحشاء، والمنكر، والبغي، والقول على الله بلا علمٍ، واتِّباع سبيلٍ غيرِ سبيله.
فهذه الاثنا عشر جنسًا، عليها مدارُ كلِّ ما حرَّم الله تعالى، وإليها انتهى١ العالَمُ بأسرهم إلّا أتباعَ الرُّسل. وقد يكون في الرَّجل أكثرُها أو أقلُّها أو واحدةٌ منها، وقد يعلم بذلك وقد لا يعلم. فالتَّوبةُ النَّصوحُ هي بالتَّخلُّص منها٢، وإنّما يمكن التّخلُّصُ منها لمن عرفها.
ونحن نذكرها ونذكر ما اجتمعت فيه وما افترقت، لِتَبِينَ٣ حدودُها وحقائقُها. والله الموفِّقُ لما وراء ذلك كما وفَّق له، ولا حول ولا قوّة إلّا به. وهذا الفصل من أنفع فصول الكتاب، والعبدُ أحوَجُ شيءٍ إليه.
فأمّا الكفر، فنوعان: كفرٌ أكبر، وكفرٌ أصغر.
فالكفر الأكبر: هو الموُجِبُ للخلود في النّار.
والأصغَرُ: مُوجِبٌ لاستحقاق الوعيد دون الخلود، كما في قوله تعالى وكان ممَّا يتلى فنُسِخَ لفظهُ: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفرٌ بكم"٤، وقولِه ﷺ في الحديث الصحيح: "اثنتان في أمّتي، هما بهم كفرٌ: الطَّعنُ في النَّسَب،
(١) ع: "انتهاء".
(٢) في ع بعده زيادة: "والتَّحصُّنِ والتّحرُّزِ من مواقعتها".
(٣) ج، ش: "لنبين". ع: "ليتبين".
(٤) جزء من حديث أخرجه البخاري (٦٨٣٠) ومسلم (١٦٩١) عن عمر ﵁، ولم يردِ الجزء المذكور عند مسلم.