علمه، لم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا وتكذيبًا١.
فصل
وأمّا الشِّركُ، فهو نوعان: أكبر وأصغر.
فالأكبر: لا يغفره الله إلّا بالتَّوبة منه. وهو أن يتَّخذ من دون الله ندًّا يحبُّه كما يحبُّ الله. وهو الشِّرك الذي تضمَّن تسويةَ آلهة المشركين بربِّ العالمين. ولهذا قالوا لآلهتهم في النَّار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الشعراء: ٩٧ - ٩٨] مع إقرارهم بأنَّ الله وحده خالقُ كلِّ شيءٍ وربُّه٢ ومليكه، وأنَّ آلهتهم لا تخلُق ولا ترزُق ولا تميت ولا تحيي. وإنَّما كانت هذه التَّسوية في المحبَّة والتَّعظيم والعبادة، كما هو حال أكثر مشركي العالم؛ بل كلُّهم يحبُّون معبوديهم٣ ويعظِّمونها ويوالونها من دون الله. وكثيرٌ منهم، بل أكثرُهم يحبُّون آلهتَهم أعظَم من محبَّة الله، ويستبشرون بذكرهم أعظمَ من استبشارهم إذا ذُكِرَ الله وحده. ويغضبون لتنقُّص٤ معبودهم وآلهتهم من المشايخ أعظمَ ما٥ يغضبون إذا انتقص٦ أحدٌ ربَّ
(١) أخرجه البخاري (٣٤٧٨، ٣٤٨١)، ومسلم (٢٧٥٧، ٢٧٥٦) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄.
(٢) لفظ "وربُّه" ساقط من ش.
(٣) ج: "معبوداتهم".
(٤) ل، ج، ع: "لمنتقص".
(٥) ج، ع: "ممَّا".
(٦) ش: "تنقَّص".
العالمين. وإذا انتُقِصَتْ١ حرمةٌ من حرمات آلهتهم ومعبوديهم غضبوا غضبَ اللَّيثِ إذا حَرِب٢. وإذا انتُهِكَتْ حرماتُ الله لم يغضبوا لها، بل إذا قام المنتهِكُ لها بإطعامهم شيئًا رضُوا عنه ولم تتنكَّر له قلوبهم!
وقد شاهدنا نحن وغيرنا هذا٣ منهم جهرةً. ونرى أحدَهم قد اتّخذ ذكرَ إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه إن قام وإن قعد، وإن عثَر، وإن مرِضَ، وإن استوحى٤. فذكرُ إلهه ومعبوده من دون الله هو الغالبُ على قلبه ولسانه، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنّه بابُ حاجته إلى الله، وشفيعُه عنده، ووسيلتُه إليه.
وهكذا كان عُبَّاد الأصنام سواءً، وهذا القدرُ هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثَه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم. فأولئك كانت آلهتهم من الحجر وغيرُهم اتَّخذها من البشر.
قال تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ
(١) ع: "انتهكت".
(٢) أي اشتدَّ غضبه. وضبطه بعضهم في الأصل بضم الحاء وتشديد الراء، وضبط في ع بضم الحاء. وفي ج: "حورب". وفي ش غيِّر إلى "حرد" بالدال، وهو بمعنى الغضب.
(٣) في ع وقع "هذا" قبل "نحن".
(٤) في المطبوع: "استوحش"، والصواب ما أثبت من جميع النسخ. واستوحى: استصرَخَ. في "طريق الهجرتين" (٢/ ٩١٥) عن عبَّاد الجنِّ: "كانوا يستوحونهم ويعوذون بهم". وفي "جامع المسائل" (٣/ ١٤٦): "يقول عند هجوم العدو عليه: يا سيِّدي فلان! يستوحيه ويستغيث به". وانظر: (٥/ ٢٢٨) و"مجموع الفتاوى" (١٨/ ٣٢٢).