العالمين. وإذا انتُقِصَتْ١ حرمةٌ من حرمات آلهتهم ومعبوديهم غضبوا غضبَ اللَّيثِ إذا حَرِب٢. وإذا انتُهِكَتْ حرماتُ الله لم يغضبوا لها، بل إذا قام المنتهِكُ لها بإطعامهم شيئًا رضُوا عنه ولم تتنكَّر له قلوبهم!
وقد شاهدنا نحن وغيرنا هذا٣ منهم جهرةً. ونرى أحدَهم قد اتّخذ ذكرَ إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه إن قام وإن قعد، وإن عثَر، وإن مرِضَ، وإن استوحى٤. فذكرُ إلهه ومعبوده من دون الله هو الغالبُ على قلبه ولسانه، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنّه بابُ حاجته إلى الله، وشفيعُه عنده، ووسيلتُه إليه.
وهكذا كان عُبَّاد الأصنام سواءً، وهذا القدرُ هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثَه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم. فأولئك كانت آلهتهم من الحجر وغيرُهم اتَّخذها من البشر.
قال تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ
(١) ع: "انتهكت".
(٢) أي اشتدَّ غضبه. وضبطه بعضهم في الأصل بضم الحاء وتشديد الراء، وضبط في ع بضم الحاء. وفي ج: "حورب". وفي ش غيِّر إلى "حرد" بالدال، وهو بمعنى الغضب.
(٣) في ع وقع "هذا" قبل "نحن".
(٤) في المطبوع: "استوحش"، والصواب ما أثبت من جميع النسخ. واستوحى: استصرَخَ. في "طريق الهجرتين" (٢/ ٩١٥) عن عبَّاد الجنِّ: "كانوا يستوحونهم ويعوذون بهم". وفي "جامع المسائل" (٣/ ١٤٦): "يقول عند هجوم العدو عليه: يا سيِّدي فلان! يستوحيه ويستغيث به". وانظر: (٥/ ٢٢٨) و"مجموع الفتاوى" (١٨/ ٣٢٢).
دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. ثمَّ شهد عليهم بالكفر والكذب١، وأخبر أنّه لا يهديهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾[الزمر: ٣]. فهذه حالُ من اتَّخذ من دون الله وليًّا، يزعُم أنّه يقرِّبه إلى الله. وما أعزَّ من يخلُص من هذا! بل ما أعزَّ من لا يعادي مَن أنكره!
والّذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أنّ آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عينُ الشِّرك. وقد أنكره الله عليهم٢ في كتابه، وأبطله، وأخبر أنَّ الشَّفاعةَ كلَّها له، وأنّه لا يشفع عنده أحدٌ إلّا لمن أذن الله أن يشفع فيه ورضي قولَه وعملَه. وهم أهلُ التَّوحيد الذين لم يتّخذوا من دون الله شفعاء، فإنّه يأذن سبحانه في الشَّفاعة لهم لمن شاء٣، حيث لم يتَّخذوهم شفعاء من دونه، فيكون أسعدَ النّاس بشفاعة من يأذن الله له صاحبُ التَّوحيد الذي لم يتَّخذ شفيعًا من دون الله.
والشَّفاعةُ التي أثبتها الله ورسولُه هي الشَّفاعةُ الصَّادرةُ عن إذنه لمن وحَّده، والَّتي نفاها الله: الشَّفاعةُ الشِّركيّةُ التي في قلوب المشركين المتَّخذين من دون الله شفعاء، فيعامَلُون٤ بنقيض قصدهم من شفاعتهم٥، ويفوز بها الموحِّدون.
(١) ع: "بالكذب والكفر" على ترتيبهما في الآية.
(٢) ع: "أنكر الله عليهم ذلك".
(٣) ع: "لمن شاء في الشفاعة لهم".
(٤) في الأصل، ع، ش: "فيعاملوا"، وكذا كان في ل، م فأصلح كما أثبت من ج.