مدارج السالكين

دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. ثمَّ شهد عليهم بالكفر والكذب١، وأخبر أنّه لا يهديهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]. فهذه حالُ من اتَّخذ من دون الله وليًّا، يزعُم أنّه يقرِّبه إلى الله. وما أعزَّ من يخلُص من هذا! بل ما أعزَّ من لا يعادي مَن أنكره!

والّذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أنّ آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عينُ الشِّرك. وقد أنكره الله عليهم٢ في كتابه، وأبطله، وأخبر أنَّ الشَّفاعةَ كلَّها له، وأنّه لا يشفع عنده أحدٌ إلّا لمن أذن الله أن يشفع فيه ورضي قولَه وعملَه. وهم أهلُ التَّوحيد الذين لم يتّخذوا من دون الله شفعاء، فإنّه يأذن سبحانه في الشَّفاعة لهم لمن شاء٣، حيث لم يتَّخذوهم شفعاء من دونه، فيكون أسعدَ النّاس بشفاعة من يأذن الله له صاحبُ التَّوحيد الذي لم يتَّخذ شفيعًا من دون الله.

والشَّفاعةُ التي أثبتها الله ورسولُه هي الشَّفاعةُ الصَّادرةُ عن إذنه لمن وحَّده، والَّتي نفاها الله: الشَّفاعةُ الشِّركيّةُ التي في قلوب المشركين المتَّخذين من دون الله شفعاء، فيعامَلُون٤ بنقيض قصدهم من شفاعتهم٥، ويفوز بها الموحِّدون.

  1. (١) ع: "بالكذب والكفر" على ترتيبهما في الآية.
  2. (٢) ع: "أنكر الله عليهم ذلك".
  3. (٣) ع: "لمن شاء في الشفاعة لهم".
  4. (٤) في الأصل، ع، ش: "فيعاملوا"، وكذا كان في ل، م فأصلح كما أثبت من ج.
  5. (٥) ج: "حرمان شفاعتهم".
525

فتأمَّلْ قولَ النَّبيِّ ﷺ لأبي هريرة، وقد سأله: من أسعَدُ النَّاسِ بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "أسعدُ النَّاس بشفاعتي: من قال لا إله إلّا الله"١، كيف جعل أعظمَ الأسباب التي تُنال بها شفاعتُه تجريدَ التَّوحيد، عكسَ ما عند المشركين أنَّ الشَّفاعةَ تُنال باتِّخاذهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله. فقَلَب النَّبيُّ ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أنَّ سببَ الشَّفاعة تجريدُ التَّوحيد، فحينئذٍ يأذن الله للشَّافع أن يشفَع.

ومن جهل المشرك: اعتقادُه أنَّ من اتَّخذه وليًّا أو شفيعًا أنَّه يشفَع له وينفعه عند الله، كما يكون خواصُّ الملوك والولاة تنفع مَن والاهم! ولم يعلموا أنَّ الله لا يشفع عنده أحدٌ إلّا بإذنه، ولا يأذن في الشَّفاعة إلّا لمن رضي قولَه وعملَه، كما قال تعالى في الفصل الأوّل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي الفصل الثّاني: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وبقي فصلٌ ثالثٌ، وهو أنّه لا يرضى من القول والعمل إلّا التَّوحيدَ واتِّباعَ الرَّسول، وعن هاتين الكلمتين يسأل الأوّلين والآخرين، كما قال أبو العالية: كلمتان يُسأل عنهما الأوّلون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟٢.

فهذه ثلاث٣ فصول، تقطع شجرةَ الشِّرك من قلب من وعاها وعقلها:

  1. (١) في هامش م، ش بخط بعضهم مع علامة صح: "خالصًا من قلبه" كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري (٩٩) عن أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) أخرجه الطبري في "التفسير" (١٤/ ١٤١).
  3. (٣) ش: "ثلاثة" على الجادَّة. وفي ع: "ثلاث أصول".
526

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي