فتأمَّلْ قولَ النَّبيِّ ﷺ لأبي هريرة، وقد سأله: من أسعَدُ النَّاسِ بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "أسعدُ النَّاس بشفاعتي: من قال لا إله إلّا الله"١، كيف جعل أعظمَ الأسباب التي تُنال بها شفاعتُه تجريدَ التَّوحيد، عكسَ ما عند المشركين أنَّ الشَّفاعةَ تُنال باتِّخاذهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله. فقَلَب النَّبيُّ ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أنَّ سببَ الشَّفاعة تجريدُ التَّوحيد، فحينئذٍ يأذن الله للشَّافع أن يشفَع.
ومن جهل المشرك: اعتقادُه أنَّ من اتَّخذه وليًّا أو شفيعًا أنَّه يشفَع له وينفعه عند الله، كما يكون خواصُّ الملوك والولاة تنفع مَن والاهم! ولم يعلموا أنَّ الله لا يشفع عنده أحدٌ إلّا بإذنه، ولا يأذن في الشَّفاعة إلّا لمن رضي قولَه وعملَه، كما قال تعالى في الفصل الأوّل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾[البقرة: ٢٥٥]، وفي الفصل الثّاني: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾[الأنبياء: ٢٨]. وبقي فصلٌ ثالثٌ، وهو أنّه لا يرضى من القول والعمل إلّا التَّوحيدَ واتِّباعَ الرَّسول، وعن هاتين الكلمتين يسأل الأوّلين والآخرين، كما قال أبو العالية: كلمتان يُسأل عنهما الأوّلون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟٢.
فهذه ثلاث٣ فصول، تقطع شجرةَ الشِّرك من قلب من وعاها وعقلها:
(١) في هامش م، ش بخط بعضهم مع علامة صح: "خالصًا من قلبه" كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري (٩٩) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه الطبري في "التفسير" (١٤/ ١٤١).
(٣) ش: "ثلاثة" على الجادَّة. وفي ع: "ثلاث أصول".
لا شفاعة إلّا بإذنه، ولا يأذن إلّا لمن رضي١ قوله وعمله، ولا يرضى من القول والعمل إلّا بتوحيده٢ واتِّباع رسوله.
فالله تعالى لا يغفر شركَ العادلين به غيره، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾[الأنعام: ١]. وأصحُّ القولين أنّهم يعدلون به غيرَه في العبادة والموالاة والمحبّة، كما في الآية الأخرى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، وكما في آية البقرة: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [١٦٥].
وترى المشرك يكذِّب حالُه وعملُه لقوله٣، فإنّه يقول: لا نحبُّهم كحبِّ الله، ولا٤ نسوِّيهم بالله؛ ثمّ يغضب لهم ولحرماتهم ــ إذا انتُهكت ــ أعظمَ ممّا يغضبُ لله! ويستبشرُ بذكرهم، ويتبَشْبَشُ به، سيَّما إذا ذُكِر عنهم ما ليس فيهم من إغاثة اللَّهَفات٥، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات؛ وأنّهم بابٌ بين الله وبين عباده= ترى المشركَ يفرَحُ ويُسَرُّ ويحِنُّ قلبُه وتهيجُ منه لواعجُ التَّعظيم والخضوع لهم والموالاة. وإذا ذكرتَ له الله وحده، وجرَّدتَ توحيدَه لحقته وحشةٌ وضيقٌ وحرجٌ، ورماك بتنقُّص الآلهة التي له، وربَّما عاداك!
(١) ع: "ارتضى".
(٢) ع: "توحيده".
(٣) كذا في جميع النسخ. ومن نظائر استعمال المؤلف لام التقوية كما هنا ما سبق في (ص ٢٢٢، ٣٣٩).