مدارج السالكين

رأينا ــ واللهِ ــ منهم هذا عيانًا، ورمَونا بعداوتهم، وبغَوا لنا الغوائل، والله مخزيهم في الدُّنيا والآخرة. ولم تكن حجَّتُهم إلّا أن قالوا كما قال إخوانهم: عاب آلهتنا، فقال هؤلاء: تنقَّصتم مشايخَنا وأبوابَ حوائجنا إلى الله تعالى. وهكذا قال النَّصارى للنّبيِّ ﷺ، لمَّا قال لهم: إنَّ المسيحَ عبدٌ قالوا: تنقَّصتَ المسيحَ وعِبْتَه١! وهكذا قال أشباهُ المشركين لمن منع اتِّخاذَ القبور أوثانًا تُعْبَد٢ ومساجدَ، وأمَر بزيارتها على الوجه الذي أذِن الله فيه ورسوله، قالوا: تنقَّصتَ أصحابَها!

فانظر إلى هذا التَّشابه بين قلوبهم، حتّى كأنَّهم قد تواصَوا به! و﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ فَهُوَ٣ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].

وقد قطَع تعالى الأسباب التي يتعلَّق بها المشركون جميعَها قطعًا يعلم مَن تأمَّلَه وعرَفَه أنَّ من اتّخذ من دون الله وليًّا أو شفيعًا، فهو كمثل العنكبوت اتّخذت بيتًا، وإنَّ أوهنَ البيوت لَبيتُ العنكبوت، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].

فالمشرك إنّما يتّخذ معبوده لما يحصل له به من النَّفع، والنَّفعُ لا يكون

  1. (١) لعله يشير إلى قصة وفد نجران ومجادلتهم للنبي ﷺ. انظر: "سيرة ابن هشام" (١/ ٥٧٥ - ٥٧٦)، و"تفسير الطبري" (٥/ ١٧٢ - ١٧٤).
  2. (٢) "تعبد" ساقط من ل.
  3. (٣) هكذا بالياء في النسخ على قراءة أبي عمرو وغيره.
528

إلّا ممَّن فيه خصلةٌ من هذه الأربع: إمّا مالكٌ لما يريد عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده. فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مترتِّبًا منتقلًا١ من الأعلى إلى ما دونه، فنفى المِلْكَ، والشِّركةَ، والمظاهرةَ، والشَّفاعةَ التي يطلبها٢ المشرك؛ وأثبتَ شفاعةً لا نصيب فيها لمشركٍ، وهي الشَّفاعةُ بإذنه. فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاةً، وتجريدًا للتَّوحيد، وقطعًا لأصول الشِّرك وموادِّه لمن عقلها!

والقرآنُ مملوءٌ من أمثالها ونظائرها، ولكنَّ أكثرَ النَّاس لا يشعُر بدخول الواقع تحته وتضمُّنه له، ويظنُّه في نوعٍ وقومٍ قد خلوا من قبل ولم يُعقبوا وارثًا! وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن.

ولَعَمْرُ الله، إن كان أولئك قد خلَوا، فقد ورثهم مَن هو مثلُهم، وشرٌّ منهم، ودونهم. وتناولُ القرآن لهم كتناوله لأولئك، ولكنَّ الأمرَ كما قال عمر بن الخطّاب ﵁: إنّما تُنقَضُ عُرى الإسلام عروةً عروةً، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهليّة٣.

  1. (١) يحتمل قراءة "متنقلًا". وفي ش: "مستقلا"، تحريف.
  2. (٢) ع: "يظنُّها".
  3. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٣١٣٩) وابن سعد في "الطبقات" (٦/ ١٢٩) وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٢٤٣) والحاكم (٤/ ٤٢٨) وصححه، بلفظ: "قد علمتُ وربِّ الكعبة متى تهلك العرب، إذا ساس أمرهم من لم يصحَب الرسولَ ولم يعالج أمرَ الجاهلية". وتفسيره في "الجعديات" (٢/ ١٨٠) و"شعب الإيمان" (٧١٢٠).
    ينظر تعليق محقق "مفتاح دار السعادة" (٢/ ٨٣٦) حيث نبَّه على أن لفظ المصنف ملفق من حديث أبي أمامة الباهلي وأثر عمر هذا، وقد أخرجهما البيهقي في "شعب الإيمان" متتابعين.
529

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي