مدارج السالكين

إلّا ممَّن فيه خصلةٌ من هذه الأربع: إمّا مالكٌ لما يريد عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده. فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مترتِّبًا منتقلًا١ من الأعلى إلى ما دونه، فنفى المِلْكَ، والشِّركةَ، والمظاهرةَ، والشَّفاعةَ التي يطلبها٢ المشرك؛ وأثبتَ شفاعةً لا نصيب فيها لمشركٍ، وهي الشَّفاعةُ بإذنه. فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاةً، وتجريدًا للتَّوحيد، وقطعًا لأصول الشِّرك وموادِّه لمن عقلها!

والقرآنُ مملوءٌ من أمثالها ونظائرها، ولكنَّ أكثرَ النَّاس لا يشعُر بدخول الواقع تحته وتضمُّنه له، ويظنُّه في نوعٍ وقومٍ قد خلوا من قبل ولم يُعقبوا وارثًا! وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن.

ولَعَمْرُ الله، إن كان أولئك قد خلَوا، فقد ورثهم مَن هو مثلُهم، وشرٌّ منهم، ودونهم. وتناولُ القرآن لهم كتناوله لأولئك، ولكنَّ الأمرَ كما قال عمر بن الخطّاب ﵁: إنّما تُنقَضُ عُرى الإسلام عروةً عروةً، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهليّة٣.

  1. (١) يحتمل قراءة "متنقلًا". وفي ش: "مستقلا"، تحريف.
  2. (٢) ع: "يظنُّها".
  3. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٣١٣٩) وابن سعد في "الطبقات" (٦/ ١٢٩) وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٢٤٣) والحاكم (٤/ ٤٢٨) وصححه، بلفظ: "قد علمتُ وربِّ الكعبة متى تهلك العرب، إذا ساس أمرهم من لم يصحَب الرسولَ ولم يعالج أمرَ الجاهلية". وتفسيره في "الجعديات" (٢/ ١٨٠) و"شعب الإيمان" (٧١٢٠).
    ينظر تعليق محقق "مفتاح دار السعادة" (٢/ ٨٣٦) حيث نبَّه على أن لفظ المصنف ملفق من حديث أبي أمامة الباهلي وأثر عمر هذا، وقد أخرجهما البيهقي في "شعب الإيمان" متتابعين.
529

وهذا لأنّه إذا لم يعرف الجاهليّةَ والشِّركَ وما عابه القرآن وذمَّه وقع فيه وأقرَّه، ودعا إليه، وصوَّبه وحسَّنه، وهو لا يعرف أنّه هو الذي١ كان عليه الجاهليّةُ، أو نظيره، أو أشَرُّ٢ منه، أو دونه؛ فينتقضُ بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروفُ منكرًا والمنكرُ معروفًا، والبدعةُ سنّةً والسُّنّةُ بدعةً؛ ويكفَّر الرّجلُ بمحض الإيمان وتجريد التَّوحيد، ويبدَّعُ بتجريد متابعة الرَّسول ومفارقة الأهواء والبدع. ومن له بصيرةٌ وقلبٌ حيٌّ يرى ذلك عيانًا! فالله المستعان.

فصل

وأمّا الشِّركُ الأصغَرُ، فكيسير الرِّياء، والتَّصنُّع للخلق، والحلِف بغير الله، كما ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "من حلَف بغير الله فقد أشرك"٣، وقولِ الرَّجل للرَّجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وإنَّا بالله وبك، وما لي إلَّا الله وأنت، وأنا متَّكلٌ على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا. وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده.

  1. (١) ع: "أنه الذي" بإسقاط "هو".
  2. (٢) ش: "أسوأ"، وفي غيرها ما عدا الأصل: "شرٌّ".
  3. (٣) أخرجه أحمد (٥٣٧٥، ٥٥٩٤، ٦٠٧٢) وأبو داود (٣٢٥١) والترمذي (١٥٣٥) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمر ﵄، ولكن أعله البيهقي (١٠/ ٢٩) بالانقطاع. والمحفوظ ما أخرجه البخاري (٦٦٤٧) ومسلم (١٦٤٦) من حديث ابن عمر بلفظ: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" دون هذه الزيادة. وانظر: تعليق محقق "مسند الفاروق" (٢/ ٢٢٧ - دار الفلاح).
530

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي