وهذا لأنّه إذا لم يعرف الجاهليّةَ والشِّركَ وما عابه القرآن وذمَّه وقع فيه وأقرَّه، ودعا إليه، وصوَّبه وحسَّنه، وهو لا يعرف أنّه هو الذي١ كان عليه الجاهليّةُ، أو نظيره، أو أشَرُّ٢ منه، أو دونه؛ فينتقضُ بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروفُ منكرًا والمنكرُ معروفًا، والبدعةُ سنّةً والسُّنّةُ بدعةً؛ ويكفَّر الرّجلُ بمحض الإيمان وتجريد التَّوحيد، ويبدَّعُ بتجريد متابعة الرَّسول ومفارقة الأهواء والبدع. ومن له بصيرةٌ وقلبٌ حيٌّ يرى ذلك عيانًا! فالله المستعان.
فصل
وأمّا الشِّركُ الأصغَرُ، فكيسير الرِّياء، والتَّصنُّع للخلق، والحلِف بغير الله، كما ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "من حلَف بغير الله فقد أشرك"٣، وقولِ الرَّجل للرَّجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وإنَّا بالله وبك، وما لي إلَّا الله وأنت، وأنا متَّكلٌ على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا. وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده.
(١) ع: "أنه الذي" بإسقاط "هو".
(٢) ش: "أسوأ"، وفي غيرها ما عدا الأصل: "شرٌّ".
(٣) أخرجه أحمد (٥٣٧٥، ٥٥٩٤، ٦٠٧٢) وأبو داود (٣٢٥١) والترمذي (١٥٣٥) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمر ﵄، ولكن أعله البيهقي (١٠/ ٢٩) بالانقطاع. والمحفوظ ما أخرجه البخاري (٦٦٤٧) ومسلم (١٦٤٦) من حديث ابن عمر بلفظ: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" دون هذه الزيادة. وانظر: تعليق محقق "مسند الفاروق" (٢/ ٢٢٧ - دار الفلاح).
وصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال لرجلٍ قال له: ما شاء الله وشئتَ: "أجعلتني لله ندًّا؟ قل: ما شاء الله وحده"١. وهذا اللّفظ أخفُّ من غيره من الألفاظ.
ومن أنواع الشِّرك: سجودُ المريد للشَّيخ، فإنّه شركٌ من السَّاجد والمسجود له. والعجب أنَّهم يقولون: ليس هذا سجودًا، وإنّما هو وضعُ الرّأس قدَّامَ الشَّيخ! فيقال لهؤلاء: ولو سمَّيتموه ما سمَّيتموه، فحقيقةُ السُّجود: وضعُ الرّأس لمن يسجد٢ له. وكذلك السُّجودُ للصَّنم وللشَّمس وللنَّجم وللحجر= كلُّه وضعُ الرّأس قُدَّامَه.
ومن أنواعه: ركوعُ المتعمِّمين بعضِهم لبعضٍ عند الملاقاة. وهذا سجودٌ في اللُّغة، وبه فُسِّر قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾[النساء: ١٥٤] أي منحنين٣، وإلّا فلا يمكن الدُّخول بالجبهة على الأرض. ومنه: قولُ العرب: سجدت الأشجار، إذا أمالتها الرِّياحُ٤.
(١) أخرجه أحمد (١٨٣٩، ٢٥٦١، ٣٢٤٧) والبخاري في "الأدب المفرد" (٧٨٣) والنسائي في "الكبرى" (١٠٧٥٩) والبيهقي (٣/ ٢١٧) وغيرهم من حديث عبد الله بن عباس ﵄. وفيه الأجلح أبو حجية وهو مختلف فيه، وثقه ابن معين ووصفه ابن عدي بأنه مستقيم الحديث عنده، وضعفه ابن سعد وأبو داود والنسائي وأبو حاتم والعقيلي وابن حبان، "تهذيب التهذيب" (١/ ١٩٠). ولكن قال الحافظ في "التقريب": "صدوق شيعي، واعتمده الألباني فصححه. انظر: "الصحيحة" (١٣٩، ١٠٩٣).