ومن أنواعه: حلقُ الرّأس للشَّيخ، فإنّه تعبُّد لغير الله، ولا يُتعبَّد بحلق الرّأس إلّا في النُّسك لله خاصّةً.
ومن أنواعه: التَّوبةُ للشَّيخ، فإنّها شركٌ عظيمٌ، فإنَّ التَّوبةَ لا تكون إلّا لله، كالصّلاة والصِّيام والحجِّ والنُّسك، فهي خالصُ حقِّ الله.
وفي "المسند"١: أنّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بأسيرٍ، فقال: اللهمَّ إنِّي أتوبُ إليك، ولا أتوب إلى محمّدٍ. فقال النبيُّ ﷺ: "عرَفَ الحقَّ لأهله".
فالتّوبةُ عبادةٌ لا تنبغي إلّا لله، كالسُّجود والصِّيام.
ومن أنواعه: النَّذرُ لغير الله، فإنّه شركٌ. وهو أعظم من الحلِف بغير الله، فإذا كان مَن حلَف بغير الله فقد أشرك، فكيف بمن نذَر لغير الله؟ مع أنَّ في "السُّنن"٢ من حديث عقبة بن عامرٍ ﵁ عن النبي ﷺ "النَّذْرُ حَلْفَةٌ".
ومن أنواعه: الخوفُ من غير الله، والتّوكُّلُ على غير الله، والعملُ لغير الله، والإنابةُ والخضوعُ والذُّلُّ لغير الله، وابتغاءُ الرِّزق من عند غيره، وحمدُ غيره على ما أعطى والغُنيةُ٣ بذلك عن حمده سبحانه، والذَّمُّ والسَّخَطُ على ما لم يَقسِمْه ولم يجر به القدر، وإضافةُ نعمه إلى غيره، واعتقادُ أن يكون في
(١) برقم (١٥٥٨٧) وغيره من حديث الأسود بن سريع، وفيه انقطاع.
(٢) لم أجده مسندًا بهذا اللفظ، وقد ذكره الإمام أحمد في "مسائله" برواية صالح (١/ ٣٩٦) موقوفًا على عقبة من قوله. وذكره شيخ الإسلام في مواضع من تصانيفه، تارةً مرفوعًا كما في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٧٧، ٣٥/ ٢٥٨، ٢٧١)، وتارةً موقوفًا كما في "الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق" (ص ١١٨، ٣٦٤، ٥٣١، وغيرها).
(٣) ش: "الغيبة"، تصحيف.
الكون ما لا يشاؤه.
ومن أنواعه: طلبُ الحوائج من الموتى، والاستغاثةُ بهم، والتّوجُّهُ إليهم. وهذا أصلُ شرك العالم، فإنَّ الميِّتَ قد انقطع عملُه، وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا١، فضلًا لمن استغاث به وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها. وهذا من جهله بالشَّافع والمشفوع عنده، كما تقدَّم، فإنّه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلّا بإذنه. والله لم يجعل استغاثته٢ وسؤاله سببًا لإذنه، وإنّما السَّببُ لإذنه كمالُ التَّوحيد، فجاء هذا المشركُ بسببٍ يمنع إذنَه٣، وهو بمنزلة من استعان في حاجةٍ بما يمنع حصولَها! وهذه حالةُ كلِّ مشركٍ.
والميِّتُ محتاجٌ إلى من يدعو له، ويترحَّم عليه، ويستغفر له، كما أوصانا النَّبيُّ ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحَّم عليهم ونسألَ لهم العافية والمغفرة. فعكَس المشركون هذا، وزاروهم زيارةَ العبادةِ واستقضاءِ الحوائج والاستغاثةِ٤ بهم، وجعلوا قبورَهم أوثانًا تُعْبَد، وسمَّوا قصدَها حجًّا٥، واتّخذوا عندها الوقفةَ وحلقَ الرّأس؛ فجمعوا بين الشِّركِ بالمعبود الحقِّ، وتغييرِ دينه، ومعاداةِ أهل التَّوحيد ونسبةِ أهله إلى التّنقُّص بالأموات٦. وهم
(١) ع: "ضرًّا ولا نفعًا".
(٢) ش، ع: "استعانته".
(٣) ع: "الإذن". وكان مثله في الأصل ثم أصلح.
(٤) ج، م، ش: "الاستعانة".
(٥) لفظ "حجًّا" ساقط من ش.
(٦) كذا بالباء في جميع النسخ، ومثله في "إغاثة اللهفان" (١/ ١٠٣): "التنقُّص بالمشايخ". وفي "بدائع الفوائد" (٤/ ١٥٧٦): "والتنقُّص به".