مدارج السالكين

قد تنقَّصوا الخالقَ بالشِّرك، وأولياءَه الموحِّدين له الذين لم يشركوا به شيئًا بذمِّهم وعيبهم ومعاداتهم. وتنقَّصوا من أشركوا به غايةَ التّنقُّص، إذ ظنُّوا أنَّهم راضون منهم بهذا، وأنَّهم أمروهم به، وأنَّهم يوالونهم عليه. وهؤلاء هم أعداء الرُّسل والتَّوحيد في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وما أكثَرَ المستجيبين لهم! وللهِ خليلُه إبراهيم ﵇ حيث يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦].

وما نجا من شَرَكِ١ هذا الشِّرك الأكبر إلّا من جرَّد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرَّب بمقتهم إلى الله، واتَّخذ الله وحده وليَّه وإلهَه ومعبودَه، فجرَّد حبَّه لله، وخوفَه لله، ورجاءَه لله، وذلَّه لله، وتوكُّلَه على الله، واستعانتَه٢ بالله، والتجاءَه إلى الله، واستغاثتَه بالله؛ وأخلصَ قصدَه لله متّبعًا لأمره متطلِّبًا لمرضاته. إذا سأل سأل الله، وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمِل عَمِل لله؛ فهو لله، وبالله، ومع الله.

والشِّركُ أنواعٌ كثيرةٌ لا يحصيها إلّا الله.

ولو ذهبنا نذكر أنواعه لاتَّسَع الكلامُ أعظمَ اتِّساعٍ، ولعلَّ الله أن يساعدَ بوضع كتابٍ فيه وفي أقسامه وأسبابه ومباديه ومضرَّته وما يندفع به، فإنَّ العبدَ إذا نجا منه ومن التَّعطيل ــ وهما الدَّاءان اللَّذان هلكت بهما الأمم ــ فما بعدَهما هو أيسرُ منهما، ومن٣ هلك بهما فبسبيلِ مَن هلك، ولا آسى على الهالكين.

  1. (١) لفظ "شَرَك" ساقط من ش، وكأنَّ ناسخها أو ناسخَ أصلها قرأه: "شِرْك"، فحذفه.
  2. (٢) ل: "واستغاثته" هنا، وفيما يأتي: "واستعانته".
  3. (٣) ج، م، ش، ع: "وإن"، وكذا كان في ق، ل ثم أُصلح.
534

فصل

وأمّا النِّفاق فالدَّاء العُضال١ الذي يكون الرَّجلُ ممتلئًا منه، وهو لا يشعر، فإنّه أمرٌ خفيٌّ يخفى على النَّاس، وكثيرًا ما يخفى على من تلبَّس به، فيزعُم أنّه مصلحٌ وهو مفسدٌ.

وهو نوعان: أكبر، وأصغر.

فالأكبَرُ يُوجِب الخلودَ في النَّار في دركها الأسفل، وهو أن يُظهِر للمسلمين إيمانَه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلِخٌ من ذلك مكذِّبٌ به، لا يؤمن بأنَّ الله تكلَّم بكلامٍ أنزله على بشرٍ جعله رسولًا للنَّاس يهديهم بإذنه، ويُنذرهم بأسَه، ويخوِّفهم عقابَه.

وقد هتَك الله٢ سبحانه أستارَ المنافقين وكشَفَ أسرارهم في القرآن، وجلّى لعباده أمورهم، ليكونوا منها ومن أهلها على حذرٍ. وذكَر طوائفَ العالم الثّلاثة في أوّل البقرة: المؤمنين، والكفّار، والمنافقين؛ فذكر في المؤمنين أربعَ آياتٍ، وفي الكفّار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آيةً لكثرتهم ولعموم الابتلاء بهم، وشدّة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإنَّ بليّةَ الإسلام بهم شديدةٌ جدًّا، فإنهم منتسبون إليه وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة، يُخْرِجون عداوتَه في كلِّ قالبٍ يظنُّ الجاهلُ أنّه عِلمٌ وإصلاحٌ، وهو غايةُ الجهل والإفساد.

فلله كم من معقلٍ للإسلام قد هدموه! وكم من حصنٍ له قد قلَعوا

  1. (١) في ع بعده زيادة: "الباطن".
  2. (٢) في ع بعده زيادة: "به".
535

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي