مدارج السالكين

أساسَه وخرَّبوه! وكم من عَلَمٍ له قد طمسوه! وكم من لواءٍ مرفوعٍ له قد وضعوه! كم١ ضربوا بمعاول الشُّبه في أصول غِراسه٢ ليقلعوها! وكم عمَّوا عيونَ موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها!

فلا يزال الإسلامُ منهم في محنةٍ وبليّةٍ، ولا يزال يطرُقُه مِن شُبَههم سريَّةٌ بعد سريَّةٍ، ويزعمون أنّهم بذلك مصلحون! ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨].

اتَّفقوا على مفارقة الوحي، فهم على ترك الاهتداء به مُجْمِعُون. ﴿فَتَقَطَّعُوا٣ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]، ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، ولأجل ذلك ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].

درست معالمُ الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودثَرت معاهدُه عندهم فليسوا يعمُرونها، وأفَلَتْ كواكبُه من قلوبهم فليسوا يُحْيُونها، وكسَفَت شمسُه عند اجتماع ظُلَمِ آرائهِم فليسوا يبصرونها.

لم يقبلوا هدى الله الذي أرسَلَ به رسولَه ولم يرفعوا به رأسًا، ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأسًا.

خلعوا نصوصَ الوحي عن سلطنة الحقيقة وعزلوها عن ولاية اليقين،

  1. (١) ع: "وكم".
  2. (٢) ش: "غرسه".
  3. (٣) ما عدا ش: "وتقطعوا".
536

وشنُّوا عليها غاراتِ التَّأويلات الباطلة، فلا يزال يخرج عليها منهم كمينٌ بعد كمينٍ. نزلت عليهم نزولَ الضَّيف على أقوامٍ لئامٍ، فعامَلوها١ بغير ما ينبغي لها من القبول والإكرام. وتلقَّوها من بعيدٍ، ولكن بالدَّفع في الصُّدور منها والأعجاز، وقالوا: ما لك عندنا من عبورٍ، وإن كان لا بدَّ فعلى سبيل المجاز!

أعَدُّوا لدفعها أصنافَ العُدَد وضروبَ القوانين، وقالوا لمَّا حلَّت بساحتهم: ما لنا ولظواهر لفظيّةٍ لا تفيدنا شيئًا من اليقين! وعوامُّهم قالوا: حسبُنا ما وجدنا عليه خلَفَنا المتأخِّرين، فإنّهم أعلَمُ بها من السَّلَف الماضين، وأقوَمُ بطرائق الحجج والبراهين. وأولئك غلبت عليهم السَّذاجةُ وسلامةُ الصُّدور، ولم يتفرَّغوا لتمهيد قواعد النَّظر، ولكن صرفوا هِمَمَهم إلى فعل المأمور وترك المحظور. فطريقةُ المتأخِّرين أعلَمُ وأحكَمُ، وطريقةُ السّلف الماضين أجهَلُ لكنَّها أسلَم!

أنزلوا نصوصَ السُّنّة والقرآن منزلةَ الخليفة في هذا الزَّمان: اسمُه على السِّكَّة٢ وفي الخطبة فوق المنابر مرفوعٌ، والحكمُ النَّافذُ لغيره، فحكمُه غيرُ مقبولٍ ولا مسموعٍ!

لبسوا ثيابَ أهل الإيمان على قلوب أهل الزَّيغ٣ والكفران، فالظَّواهرُ ظواهرُ الأنصار، والبواطنُ قد تحيَّزت إلى الكفَّار. فألسنتُهم ألسنةُ المسالمين، وقلوبُهم قلوبُ المحاربين، يقولون: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ

  1. (١) ع: "فقابلوها".
  2. (٢) يعني: على النقود المضروبة، وقد سبق.
  3. (٣) بعده في ع زيادة: "والخسران والغِل".
537

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي