وشنُّوا عليها غاراتِ التَّأويلات الباطلة، فلا يزال يخرج عليها منهم كمينٌ بعد كمينٍ. نزلت عليهم نزولَ الضَّيف على أقوامٍ لئامٍ، فعامَلوها١ بغير ما ينبغي لها من القبول والإكرام. وتلقَّوها من بعيدٍ، ولكن بالدَّفع في الصُّدور منها والأعجاز، وقالوا: ما لك عندنا من عبورٍ، وإن كان لا بدَّ فعلى سبيل المجاز!
أعَدُّوا لدفعها أصنافَ العُدَد وضروبَ القوانين، وقالوا لمَّا حلَّت بساحتهم: ما لنا ولظواهر لفظيّةٍ لا تفيدنا شيئًا من اليقين! وعوامُّهم قالوا: حسبُنا ما وجدنا عليه خلَفَنا المتأخِّرين، فإنّهم أعلَمُ بها من السَّلَف الماضين، وأقوَمُ بطرائق الحجج والبراهين. وأولئك غلبت عليهم السَّذاجةُ وسلامةُ الصُّدور، ولم يتفرَّغوا لتمهيد قواعد النَّظر، ولكن صرفوا هِمَمَهم إلى فعل المأمور وترك المحظور. فطريقةُ المتأخِّرين أعلَمُ وأحكَمُ، وطريقةُ السّلف الماضين أجهَلُ لكنَّها أسلَم!
أنزلوا نصوصَ السُّنّة والقرآن منزلةَ الخليفة في هذا الزَّمان: اسمُه على السِّكَّة٢ وفي الخطبة فوق المنابر مرفوعٌ، والحكمُ النَّافذُ لغيره، فحكمُه غيرُ مقبولٍ ولا مسموعٍ!
لبسوا ثيابَ أهل الإيمان على قلوب أهل الزَّيغ٣ والكفران، فالظَّواهرُ ظواهرُ الأنصار، والبواطنُ قد تحيَّزت إلى الكفَّار. فألسنتُهم ألسنةُ المسالمين، وقلوبُهم قلوبُ المحاربين، يقولون: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ
قد نهَكَت أمراضُ الشُّبهات والشَّهوات قلوبَهم فأهلكتها، وغلبت القصودُ السَّيِّئةُ على إراداتهم ونيّاتهم فأفسدتها. ففسادُهم قد ترامى إلى الهلاك، فعجَز عنه الأطبَّاءُ العارفون، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾[البقرة: ١٠].
من عَلِقَتْ مخاليبُ شكوكهم بأديم إيمانه مزَّقَتْه كلَّ التَّمزيق، ومن تعلَّقَ شررُ فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق، ومن دخلت شبهاتُ تلبيسهم في مسامعه حالت بين قلبه وبين التَّصديق. ففسادُهم في الأرض كثيرٌ، وأكثرُ النَّاس عنه غافلون، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ١١ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[البقرة: ١١ - ١٢].
المتمسِّكُ عندهم بالكتاب والسُّنَّة صاحبُ ظواهر، مبخوسٌ حظُّه من المعقول. والدَّائرُ مع النُّصوص عندهم كحمارٍ يحمل أسفارًا، فهمُّه في حمل المنقول. وبضاعةُ تاجر الوحي لديهم كاسدةٌ، وما هو عندهم بمقبولٍ. وأهلُ