مدارج السالكين

لأعداء الكتاب والسُّنّة من النُّصرة١ نصيبٌ، قالوا: ألم تعلموا أنّ عقد الإخاء بيننا٢ محكمٌ، وأنَّ النَّسَب بيننا قريبٌ! فيا من يريد معرفتهم، خذ صفاتهم٣ من كلام ربِّ العالمين، فلا تحتاج بعده دليلًا: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].

يُعجِبُ السَّامعَ قولُ أحدهم لحلاوته ولينه، ويُشهد اللهَ على ما في قلبه من كذبه ومَينه، فتراه عند الحقِّ نائمًا، وفي الباطل واقفًا على الأقدام! فخذ وصفهم من قول القدُّوس السّلام: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤].

أوامرُهم التي يأمرون بها أتباعَهم متضمِّنةٌ لفساد البلاد والعباد، ونواهيهم عمَّا فيه صلاحُهم في المعاش والمعاد. وأحدُهم تلقاه بين جماعة أهل الإيمان في الصّلاة والذِّكر والزُّهد والاجتهاد، فإذا٤ ﴿تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].

فهم جنسٌ بعضُه يشبه٥ بعضًا: يأمرون بالمنكر بعد أن يفعلوه، وينهون عن المعروف بعد أن يتركوه، ويبخلون بالمال في سبيل الله ومرضاته أن

  1. (١) سقط "من النصرة" من ش، فزاد بعضهم بعد كلمة "نصيب": "بالنصرة"، وهو خطأ.
  2. (٢) بعده في م زيادة: "وبينكم".
  3. (٣) ش: "صفتهم".
  4. (٤) ش، ع: "وإذا" كما في الآية، وكذا غيِّر في م.
  5. (٥) ع: "يشبه بعضه".
542

يُنفقوه. كم ذكَّرهم الله بنِعَمه فأعرضوا عن ذكره ونسوه! وكم كشَفَ حالهم لعباده المؤمنين ليجتنبوه! فاسمعوا أيُّها المؤمنون: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧].

إن حاكمتَهم إلى صريح الوحي وجدتَهم عنه نافرين، وإن دعوتَهم إلى حكم كتاب الله وسنّة رسوله رأيتهم عنه مُعرضين. فلو شهدت حقائقَهم لرأيتَ بينها وبين الهدى أمدًا بعيدًا، ورأيتَها معرضةً عن الوحي إعراضًا شديدًا، ﴿قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ٦١﴾ [النساء: ٦١].

فكيف لهم بالفلاح والهدى بعدما أصيبوا في عقولهم وأديانهم! وأنّى لهم التّخلُّصُ من الضَّلال والرَّدى وقد اشتروا الكفرَ بإيمانهم! فما أخسَر تجارتَهم البائرة وقد اشتروا بالرَّحيق المختوم حريقًا! ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ٦٢﴾ [النساء: ٦٢].

نشِبَ زَقُّومُ الشُّبَه والشُّكوك في قلوبهم، فلا يجدون لها مُسيغًا١، ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ٦٣﴾ [النساء: ٦٣].

تبًّا لهم، ما أبعدهم عن حقيقة الإيمان! وما أكذَب دعواهم للتَّحقيق والعرفان! فالقومُ في شأنٍ، وأتباعُ الرَّسول في شأنٍ! ولقد أقسم الله ﷻ

  1. (١) كذا ضبط بضم الميم في ق، ل، م، ع. وفي ش بفتح الميم وهو سائغ أيضًا.
543

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي