في كتابه بنفسه المقدَّسة قسمًا عظيمًا، يعرف مضمونَه أولو البصائر، فقلوبُهم منه على وجَلٍ إجلالًا له وتعظيمًا، فقال تعالى تحذيرًا لأوليائه وتنبيهًا على حال هؤلاء وتفهيمًا: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ٦٥﴾[النساء: ٦٥].
تسبق يمينُ أحدهم كلامَه من غير أن تُعرضَ١ عليه، لعلمه بأنّ قلوب أهل الإيمان لا تطمئنُّ إليه، فيتبرّأ بيمينه من سوء الظّنِّ به وكشفِ ما لديه. وكذلك أهلُ الرِّيبة يكذبون، ويحلفون ليحسبَ السَّامعُ أنّهم صادقون، وقد ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[المنافقون: ٢].
تبًّا لهم! برزوا إلى البيداء مع ركب الإيمان، فلمّا رأوا طولَ الطَّريق وبعدَ الشُّقَّة نكصوا على أعقابهم ورجعوا، وظنُّوا أنّهم يتمتَّعون بطيب العيش ولذّة المنام في ديارهم، فما مُتِّعوا به ولا بتلك النُّجْعة٢ انتفعوا. فما هو إلّا أن صاح بهم الصَّائحُ فقاموا عن موائد أطعمتهم والقومُ جياعٌ ما شبعوا، فكيف حالهم عند اللِّقاء، وقد عرفوا ثمّ أنكروا، وعمُوا بعدما عاينوا الحقَّ وأبصروا! ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾[المنافقون: ٣].
قلوبًا، وأضعَفُهم جَنانًا. فهم كالخشب المسنَّدة التي لا تمييز١ لها، قد قُلِعَت من مغارسها فتساندت إلى حائطٍ يقيمها لئلَّا يطأها السّالكون. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾[المنافقون: ٤].
يؤخِّرون الصَّلاةَ عن وقتها الأوّل إلى شَرَقِ الموتى، فالصُّبحُ عند طلوع الشّمس، والعصرُ عند الغروب. وينقُرونها نقرَ الغراب، إذ هي صلاةُ الأبدان لا صلاةُ القلوب. ويلتفتون فيها التفاتَ٢ الثَّعلب إذا تيقَّنَ أنّه مطرودٌ ومطلوبٌ. ولا يشهدون الجماعة، بل إن صلّى أحدُهم ففي البيت أو الدُّكّان. وإذا خاصَمَ فجَر، وإذا عاهَدَ غدَر، وإذا حدَّثَ كذَب، وإذا وعَد أخلَفَ، وإذا ائتُمِنَ خان٣. هذه معاملتُهم للخلق، وتلك معاملتُهم للخالق٤. فخذ وصفَهم من أوّل المطفِّفين، وآخر (والسَّماء والطَّارق)٥، فلا ينبِّئك عن أوصافهم مثلُ خبيرٍ، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾[التوبة: ٧٣].
فما أكثرهم! وهم الأقلُّون. وما أجبرهم! وهم الأذلُّون. وما أجهلهم!
(١) ع: "ثمر". وفي هامش الأصل بإزاء هذا السطر وما قبله وما بعده: "بلغ مقابلة وقراءة على مصنفه ﵁ ".
(٢) ش: "تلفُّت".
(٣) كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عند البخاري (٣٤) ومسلم (٥٨).
(٤) ش: "للحق".
(٥) كذا في النسخ، وفي آخر سورة الطارق ذِكر وصف الكيد، والسياق يقتضي ذِكر تأخير الصلاة، فلعله أراد "سورة الماعون".