مدارج السالكين

قلوبًا، وأضعَفُهم جَنانًا. فهم كالخشب المسنَّدة التي لا تمييز١ لها، قد قُلِعَت من مغارسها فتساندت إلى حائطٍ يقيمها لئلَّا يطأها السّالكون. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤].

يؤخِّرون الصَّلاةَ عن وقتها الأوّل إلى شَرَقِ الموتى، فالصُّبحُ عند طلوع الشّمس، والعصرُ عند الغروب. وينقُرونها نقرَ الغراب، إذ هي صلاةُ الأبدان لا صلاةُ القلوب. ويلتفتون فيها التفاتَ٢ الثَّعلب إذا تيقَّنَ أنّه مطرودٌ ومطلوبٌ. ولا يشهدون الجماعة، بل إن صلّى أحدُهم ففي البيت أو الدُّكّان. وإذا خاصَمَ فجَر، وإذا عاهَدَ غدَر، وإذا حدَّثَ كذَب، وإذا وعَد أخلَفَ، وإذا ائتُمِنَ خان٣. هذه معاملتُهم للخلق، وتلك معاملتُهم للخالق٤. فخذ وصفَهم من أوّل المطفِّفين، وآخر (والسَّماء والطَّارق)٥، فلا ينبِّئك عن أوصافهم مثلُ خبيرٍ، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣].

فما أكثرهم! وهم الأقلُّون. وما أجبرهم! وهم الأذلُّون. وما أجهلهم!

  1. (١) ع: "ثمر". وفي هامش الأصل بإزاء هذا السطر وما قبله وما بعده: "بلغ مقابلة وقراءة على مصنفه ﵁ ".
  2. (٢) ش: "تلفُّت".
  3. (٣) كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عند البخاري (٣٤) ومسلم (٥٨).
  4. (٤) ش: "للحق".
  5. (٥) كذا في النسخ، وفي آخر سورة الطارق ذِكر وصف الكيد، والسياق يقتضي ذِكر تأخير الصلاة، فلعله أراد "سورة الماعون".
545

وهم المتمعلمون١. وما أغرّهم بالله إذ هم بعظمته جاهلون! ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦].

إن أصاب أهلَ الكتاب والسُّنّة عافيةٌ ونصرٌ وظهورٌ ساءهم ذلك وغمَّهم. وإن أصابهم ابتلاءٌ من الله وامتحانٌ يمحِّص به ذنوبهم، ويكفِّر به سيِّئاتِهم أفرَحَهم ذلك وسرَّهم. وهذا تحقيقُ إرثِهم وإرثِ من عاداهم، ولا يستوي مَن موروثُه الرَّسولُ ومَن موروثُه المنافقون. ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ٥٠ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥٠ - ٥١]. وقال تعالى في شأن السَّلفين٢ المتخلِّفين، والحقُّ لا يُدفَع بمكابرة أهل الزَّيغ والتّخليط، ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].

كره الله طاعتَهم٣ لخبث قلوبهم وفساد نيّاتهم، فثبَّطهم عنها وأقعَدَهم.

  1. (١) ج، م، ش: "المتعلمون"، تحريف. تمعلَمَ: تعالم، ومثله تمعقَلَ. قال المؤلف في نونيته (٥٧٥٢):
    فظٌّ غليظٌ جاهلٌ متمعلِمٌ ... ضخمُ العمامة واسعُ الأردانِ
    وفي "الصواعق" (٣/ ٨٩٣): "فمن أراد أن يتمعقل بعقول هؤلاء ... ". وفي "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٣٧٤): "وتمعقَلَ على النص"، وانظره أيضًا (٩/ ٢٢٨). والصيغة من اللغة الدارجة ولا تزال مستعملة.
  2. (٢) ش: "السَّفِلين".
  3. (٣) ع: "طاعاتهم".
546

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي