وأبغضَ قربَهم منه وجوارهم، لميلهم إلى أعدائه، فطرَدَهم عنه وأبعَدَهم. وأعرضوا عن وحيه فأعرض عنهم، وأشقاهم وما أسعدهم. وحكَم عليهم بحكمٍ عدلٍ لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلّا أن يكونوا من التّائبين، فقال: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾[التوبة: ٤٦]. ثمّ ذكر حكمته في تثبيطهم وإقعادهم، وطردِهم عن بابه وإبعادهم، وأنَّ ذلك من لطفه بأوليائه وإسعادهم، وهو أحكم الحاكمين، فقال١: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾[التوبة: ٤٧].
ثقلت عليهم النُّصوصُ فكرهوها، وأعيا عليهم حملُها فألقَوها عن أكتافهم ووضَعوها، وتفلَّتت منهم السُّننُ أن يحفظوها فأهملوها، وصالت عليهم نصوصُ الكتاب والسُّنّة فوضعوا لها قوانينَ ردُّوها بها ودفعوها. ولقد هتَكَ الله أستارهم، وكشَف أسرارهم، وضرَب لعباده أمثالَهم. وعَلِمَ أنّه كلّما انقرض منهم طوائفُ خلَفَهم أمثالُهم، فذكر أوصافَهم لأوليائه ليكونوا منها على حذَرٍ، وبيَّنها لهم، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾[محمد: ٩].
هذا شأنُ من ثقلت عليه النُّصوصُ، ورآها حائلةً بينه وبين بدعته وهواه فهي في وجهه كالبنيان المرصوص. فباعها بـ"محصَّلٍ"٢ من الكلام الباطل، واستبدل منها بـ"الفصوص"٣! فأعقبهم ذلك أن أفسد عليهم إعلانَهم
(١) ع: "فقال وهو أحكم الحاكمين".
(٢) يشير إلى كتاب "محصَّل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين" لفخر الدين الرازي. وانظر فيه "منهاج السنة" (٥/ ٤٣٣).
أسرُّوا سرائرَ النِّفاق فأظهَرَها الله على صفحاتِ الوجوه منهم وفلَتاتِ اللِّسان، ووسَمهم لأجلها بسيما لا يخفَون بها على أهل البصائر والإيمان. وظنُّوا أنَّهم إذا كتموا كفرَهم وأظهروا إيمانَهم راجُوا على النُّقّاد١! والنّاقدُ البصيرُ٢ قد كشفها لكم: ﴿أَعْمَالَهُمْ ٢٨ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾[محمد: ٢٩ - ٣٠].
فكيف بهم إذا جُمِعوا ليوم التَّلاق، وتجلّى الله ﷻ للعباد وقد كُشِفَ عن ساقٍ، ودُعُوا إلى السُّجود فلا يستطيعون، ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾[القلم: ٤٣]!
أم كيف بهم إذا حُشِروا إلى جسر جهنّم، وهو أدقُّ من الشَّعْرة٣، وأحَدُّ من الحُسام! وهو دَحْضٌ مزَلَّةٌ مظلمٌ لا يقطعه أحدٌ إلّا بنورٍ يبصر به مواطئَ الأقدام. فقُسِّمت بين النّاس الأنوارُ ــ وهم على قدر تفاوتها في المرور والذَّهاب ــ وأُعْطُوا نورًا ظاهرًا مع أهل الإسلام، كما كانوا بينهم في هذه