أسرُّوا سرائرَ النِّفاق فأظهَرَها الله على صفحاتِ الوجوه منهم وفلَتاتِ اللِّسان، ووسَمهم لأجلها بسيما لا يخفَون بها على أهل البصائر والإيمان. وظنُّوا أنَّهم إذا كتموا كفرَهم وأظهروا إيمانَهم راجُوا على النُّقّاد١! والنّاقدُ البصيرُ٢ قد كشفها لكم: ﴿أَعْمَالَهُمْ ٢٨ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾[محمد: ٢٩ - ٣٠].
فكيف بهم إذا جُمِعوا ليوم التَّلاق، وتجلّى الله ﷻ للعباد وقد كُشِفَ عن ساقٍ، ودُعُوا إلى السُّجود فلا يستطيعون، ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾[القلم: ٤٣]!
أم كيف بهم إذا حُشِروا إلى جسر جهنّم، وهو أدقُّ من الشَّعْرة٣، وأحَدُّ من الحُسام! وهو دَحْضٌ مزَلَّةٌ مظلمٌ لا يقطعه أحدٌ إلّا بنورٍ يبصر به مواطئَ الأقدام. فقُسِّمت بين النّاس الأنوارُ ــ وهم على قدر تفاوتها في المرور والذَّهاب ــ وأُعْطُوا نورًا ظاهرًا مع أهل الإسلام، كما كانوا بينهم في هذه
(١) ع: "على الصيارف والنقاد".
(٢) ع: "كيف والنقاد البصير".
(٣) ج، ش: "الشعر".
الدّار يأتون بالصَّلاة والزَّكاة والحجِّ والصِّيام. فلمّا توسَّطوا الجسرَ عصَفَتْ على أنوارهم أهويةُ النِّفاق، فأطفأت ما بأيديهم من المصابيح. فوقفوا حيارى لا يستطيعون المرور، فضُرِبَ بينهم وبين أهل الإيمان بسورٍ له بابٌ، ولكن قد حيل بين القوم وبين المفاتيح. باطنُه الذي يلي المؤمنين فيه الرَّحمة، وما يليهم من قِبَله١ العذابُ والنِّقمة. ينادُون من تقدَّمهم من وفد الإيمان، ومشاعلُ الرَّكب تلوح على بعدٍ كالنُّجوم، تبدو لناظر الإنسان: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ بَيْنَهُمْ﴾[الحديد: ١٣] لنتمكّن في هذا المضيق من العبور، فقد طفئت أنوارُنا ولا جوازَ اليوم إلّا بمصباحٍ من النُّور. ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ﴾ حيث قسِّمت الأنوار، فهيهات الوقوفُ لأحدٍ في مثل هذا المضمار! كيف يلتمس الوقوف في هذا المضيق؟ وهل يَلوي اليوم أحدٌ على أحدٍ في هذا الطّريق؟٢.
فذكَّروهم باجتماعهم معهم وصحبتهم لهم في هذه الدَّار، كما يذكِّر الغريبُ صاحبَ الوطن بصحبته له في الأسفار: ﴿مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ نصوم كما تصومون، ونصلِّي كما تصلُّون، ونقرأ كما تقرؤون، ونتصدَّق كما تتصدّقون، ونحجُّ كما تحجُّون؟ فما الذي فرَّق بيننا اليومَ، حتّى انفردتم دوننا بالمرور؟ ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ﴾ كانت ظواهركم معنا وبواطنكم مع كلِّ ملحدٍ وكلِّ ظلومٍ كفورٍ، ﴿أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ
(١) م، ع: "قبلهم"، وكذا كان في ق، ل ثم أصلح بطمس الميم.
(٢) بعده في ع زيادة: "وهل يلتفت اليوم رفيق إلى رفيق".