مدارج السالكين

وقال ابن أبي مُلَيكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب محمّدٍ ﷺ كلُّهم يخاف النِّفاقَ على نفسه، ما منهم أحدٌ يقول: إنَّ إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل. ذكره البخاريُّ١.

وذكَر٢ عن الحسن ﵁: ما أمِنَه إلّا منافقٌ، ولا خافه إلّا مؤمنٌ.

ولقد ذُكر عن بعض الصَّحابة أنّه كان يقول في دعائه: اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من خشوع النِّفاق. قيل: وما خشوعُ النِّفاق؟ قال: أن يخشع البدنُ، والقلبُ غيرُ خاشعٍ٣.

بالله تعالى٤، لقد ملئت قلوبُ القوم إيمانًا ويقينًا، وخوفُهم من النِّفاق

  1. (١) تعليقًا قبل الحديث (٤٨)، وأخرجه في "تاريخه" (٥/ ١٣٧). وأخرجه الحافظ في "تغليق التعليق" (٢/ ٥٢) وذكر مَن أخرجه. وانظر: "فتح الباري" (١/ ١١٠).
  2. (٢) تعليقًا أيضًا في الموضع السابق. وقد وصله الفريابي في "صفة النفاق" (٨١). قال ابن رجب في "فتح الباري" (١/ ١٩٥): "هذا مشهور عن الحسن، صحيح عنه".
  3. (٣) ع: "ليس بخاشع". وقد أخرجه أحمد في "الزهد" (٧٥٧) وابن أبي شيبة (٣٦٨٦١) والبيهقي في "الشعب" (٦٥٦٧) عن أبي الدرداء ﵁، وفي إسناده انقطاع. وفي "الزهد" لابن المبارك (١٤٣) عن أبي يحيى أنه بلغه أن أبا الدرداء أو أبا هريرة قال. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٦٥٦٨) مرفوعًا من حديث أبي بكر الصديق ﵁. قال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (ص ١٢٤٣): "وفيه الحارث بن عبيد الأنماري، ضعَّفه أحمد وابن معين".
  4. (٤) هكذا في الأصل ول. وفي ع: "تالله". وفي ج: "خاشع لله تعالى. تالله". وكذا في ش بحذف "تالله". والأثر في المصادر المذكورة وفي كتاب "الروح" (٢/ ٦٥٥)، و"أعلام الموقعين" (٢/ ٥١٥) قد انتهى بكلمة "خاشع"، فالظاهر أن ما بعده كلام مستأنف.
551

شديدٌ، فهمُّهم لذلك ثقيلٌ. وسواهم كثيرٌ منهم لا يجاوز إيمانُهم حناجرَهم، وهم يدَّعون أنَّه كإيمان جبريل وميكائيل!

زرعُ النِّفاق ينبُت على ساقيتين: ساقية الكذب، وساقية الرِّياء، ومخرجُهما من عينين: عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة. فإذا تمَّت هذه الأركانُ الأربعُ استحكم بنيانُ النِّفاق١، ولكنَّه بمدارج السُّيول على شفا جرُفٍ هارٍ. فإذا سال سيلُ الحقائق وعاينوا يومَ٢ تُبلى السّرائر، وكُشِفَ المستور، وبُعثر ما في القبور، وحُصِّل ما في الصُّدور= تبيّن حينئذٍ لمن كانت بضاعتُه النِّفاقَ أنَّ حواصلَه التي حصَّلها كانت كالسَّراب، ﴿بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ﴾ [النور: ٣٩]٣.

  1. (١) ع: "بنات النفاق وبنيانه".
  2. (٢) ع: "فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم".
  3. (٣) بعده في ع زيادة طويلة نصُّها: قلوبُهم عن الخيرات لاهيةٌ، وأجسادُهم إليها ساعيةٌ، والفاحشةُ في فِجاجهم فاشيةٌ، وإذا سمعوا الحقَّ كانت قلوبُهم عن سماعه قاسيةً، وإذا حضروا الباطلَ وشهدوا الزُّورَ انفتحت أبصارُ قلوبهم، وكانت آذانُهم واعيةً. فهذه والله أماراتُ النِّفاق، فاحذرها أيُّها الرّجلُ قبل أن تنزل بك القاضية.
    إذا عاهدوا لم يفُوا، وإن وعدوا أخلفوا، وإن قالوا لم ينصفوا، وإن دُعوا إلى الطَّاعة وقفوا، وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرّسول صدَفوا، وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا.
    فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان والخزي والخسران، فلا تثق بعهودهم، ولا تطمئنَّ إلى وعودهم، فإنّهم فيها كاذبون، وهم لما سواها مخالفون. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ٧٥ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ٧٦ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] ".
552

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي