مدارج السالكين

ضدُّ الذَّنب الذي ارتكبه وهتَك به عرضَ المسلم المحصَن، فلا تحصل التَّوبةُ منه إلّا بإكذابه نفسَه، لينتفي عن المقذوف العارُ الذي ألحقه به بالقذف، وهو مقصودُ التَّوبة.

وأمّا من قال: إنَّ توبته أن يقول: أستغفر الله من القذف، ويعترفَ بتحريمه، فقولٌ ضعيفٌ لأنَّ هذا لا مصلحةَ فيه للمقذوف، ولا يحصل له به براءةُ عرضه ممَّا قذفه به، فلا يحصل به مقصودُ التَّوبة من هذا الذَّنب؛ فإنَّ فيه حقَّين: حقًّا لله، وهو تحريمُ القذف، فتوبتُه منه باستغفاره، واعترافه بتحريم القذف، وندمه عليه، وعزمه على أن لا يعود. وحقًّا للعبد، وهو إلحاقُ العار به، فتوبتُه منه بتكذيبه نفسَه. فالتَّوبةُ من هذا الذَّنب بمجموع الأمرين.

فإن قيل: إذا كان صادقًا قد عاين الزِّنى، فأخبر به، فكيف يسوغ له تكذيبُ نفسه وقذفُها بالذَّنب، ويكون ذلك من تمام توبته؟

قيل: هذا هو الإشكال الذي قال صاحبُ هذا القول لأجله: إنَّ توبتَه الاعترافُ بتحريم القذف والاستغفارُ منه. وهو موضعٌ يحتاج فيه إلى بيان الكذب الذي١ حَكَم الله به على القاذف وأخبَر أنّه كاذبٌ عنده، ولو كان خبره مطابقًا للواقع، فنقول:

الكذب يراد به أمران:

أحدهما: الخبرُ الغيرُ المطابقِ٢ لمُخْبَرِه. وهو نوعان: كذبٌ عمدٌ، وكذبٌ خطأٌ. فكذبُ العمد معروفٌ. وكذبُ الخطأ ككذب أبي السَّنابل في

  1. (١) "الذي" ساقط من ش.
  2. (٢) ش: "الغير مطابق".
559

فتواه للمتوفّى عنها إذا وضَعت حملَها أنَّها لا تحِلُّ حتّى تُتِمَّ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، فقال النَّبيُّ ﷺ: "كذب أبو السَّنابل"١. ومنه قوله ﷺ: "كذب من قالها"٢ لمن قال: حبِطَ عملُ عامرٍ، حيث قتل نفسَه خطأً. ومنه قول عبادة بن الصّامت: كذب أبو محمَّدٍ، حيث قال: الوتر واجبٌ٣. فهذا كلُّه من كذب الخطأ، ومعناه: أخطأ قائلُ ذلك.

والثّاني من أقسام الكذب: الخبر الذي لا يجوز الإخبار به، وإن كان مطابقًا لمُخْبَرِه، كخبرِ القاذف المتفرِّد٤ برؤية الزِّنى، والإخبارِ به، فإنَّه

  1. (١) أخرجه أحمد (٤٢٧٣) من حديث عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود، وفي إسناده ضعف لأن غندر سمع من سعيد بن أبي عروبة بعد الاختلاط، وقد أعله أحمد في "العلل" (٤٧٩٥) بأن ذِكر ابن مسعود فيه خطأ، وأن الحديث مرسل. وأخرجه الشافعي في "الرسالة" (ص ٥٧٤) وفي "الأم" (٦/ ٥٦٨ - دار الوفاء) ــ ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (٧/ ٤٢٩) وفي "معرفة السنن والآثار" (١١/ ٢٠٥) ــ عن ابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن سبيعة الأسلمية، وهو مرسل إذ عبد الله بن عتبة كتب إلى ابن الأرقم أن يسأل سبيعة الأسلمية، كما عند البخاري (٥٣١٩) ومسلم مطولًا (١٤٨٤) ولكن ليس لديهما ذكر قوله ﷺ: "كذب أبو السنابل".
  2. (٢) أخرجه البخاري (٤١٩٦)، ومسلم (١٨٠٢) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁.
  3. (٣) أخرجه مالك (٣٢٠) وأحمد (٢٢٦٩٣، ٢٢٧٠٤، ٢٢٧٢٠) وأبو داود (٤٢٥، ١٤٢٠) والنسائي في "الكبرى" (٣١٨) وفي "المجتبى" (٤٦١) وغيرهم من حديث عبادة بن الصامت ﵁، وفي إسناده رجل من بني كنانة يدعى المخدجي، مجهول. والحديث صححه الألباني بشواهده في "صحيح أبي داود- الأم" (٢/ ٣٠١، ٥/ ١٦١). وأبو محمد: رجل من الأنصار له صحبة.
  4. (٤) ج، م، ش، ع: "المنفرد"، وأهمل ثانيه في ل.
560

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي