مدارج السالكين

فتواه للمتوفّى عنها إذا وضَعت حملَها أنَّها لا تحِلُّ حتّى تُتِمَّ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، فقال النَّبيُّ ﷺ: "كذب أبو السَّنابل"١. ومنه قوله ﷺ: "كذب من قالها"٢ لمن قال: حبِطَ عملُ عامرٍ، حيث قتل نفسَه خطأً. ومنه قول عبادة بن الصّامت: كذب أبو محمَّدٍ، حيث قال: الوتر واجبٌ٣. فهذا كلُّه من كذب الخطأ، ومعناه: أخطأ قائلُ ذلك.

والثّاني من أقسام الكذب: الخبر الذي لا يجوز الإخبار به، وإن كان مطابقًا لمُخْبَرِه، كخبرِ القاذف المتفرِّد٤ برؤية الزِّنى، والإخبارِ به، فإنَّه

  1. (١) أخرجه أحمد (٤٢٧٣) من حديث عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود، وفي إسناده ضعف لأن غندر سمع من سعيد بن أبي عروبة بعد الاختلاط، وقد أعله أحمد في "العلل" (٤٧٩٥) بأن ذِكر ابن مسعود فيه خطأ، وأن الحديث مرسل. وأخرجه الشافعي في "الرسالة" (ص ٥٧٤) وفي "الأم" (٦/ ٥٦٨ - دار الوفاء) ــ ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (٧/ ٤٢٩) وفي "معرفة السنن والآثار" (١١/ ٢٠٥) ــ عن ابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن سبيعة الأسلمية، وهو مرسل إذ عبد الله بن عتبة كتب إلى ابن الأرقم أن يسأل سبيعة الأسلمية، كما عند البخاري (٥٣١٩) ومسلم مطولًا (١٤٨٤) ولكن ليس لديهما ذكر قوله ﷺ: "كذب أبو السنابل".
  2. (٢) أخرجه البخاري (٤١٩٦)، ومسلم (١٨٠٢) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁.
  3. (٣) أخرجه مالك (٣٢٠) وأحمد (٢٢٦٩٣، ٢٢٧٠٤، ٢٢٧٢٠) وأبو داود (٤٢٥، ١٤٢٠) والنسائي في "الكبرى" (٣١٨) وفي "المجتبى" (٤٦١) وغيرهم من حديث عبادة بن الصامت ﵁، وفي إسناده رجل من بني كنانة يدعى المخدجي، مجهول. والحديث صححه الألباني بشواهده في "صحيح أبي داود- الأم" (٢/ ٣٠١، ٥/ ١٦١). وأبو محمد: رجل من الأنصار له صحبة.
  4. (٤) ج، م، ش، ع: "المنفرد"، وأهمل ثانيه في ل.
560

كاذبٌ في حكم الله تعالى، وإن كان خبرُه مطابقًا لمُخْبَرِه. ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذْ١ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]. فحكمُ الله في مثل هذا أن يعاقَب عقوبةَ المفتري الكاذب، وإن كان خبرُه مطابقًا٢. وعلى هذا فلا تتحقّق توبتُه حتّى يعترفَ بأنّه كاذبٌ عند الله، كما أخبر الله به عنه. فإذا لم يعترف بأنّه كاذبٌ وقد جعله الله كاذبًا، فأيُّ توبةٍ له؟ وهل هذا إلّا محضُ الإصرار والمجاهرة بمخالفة حكم الله الذي حَكَم به عليه؟

فصل

واختُلِفَ في توبة السَّارق إذا قُطِعت يدُه: هل من شرطها ضمانُ العين المسروقة لربِّها؟ وأجمعوا على أنَّ مِن شرط صحَّة توبته أداؤها٣ إليه، إذا كانت موجودةً بعينها. وإنّما اختلفوا إذا كانت تالفةً، فقال الشَّافعيُّ وأحمد ﵄: من تمام توبته ضمانُها لمالكها، ويلزمه ذلك موسرًا كان أو معسرًا٤.

وقال أبو حنيفة ﵀: إذا قُطعت يده وقد استهلك٥ العينَ لم يلزمه ضمانُها٦. ولا تتوقَّف صحَّةُ توبته على الضَّمان لأنَّ قطعَ اليد هو مجموعُ

  1. (١) ما عدا ج، ع: "فإن"، سهو.
  2. (٢) انظر في ذلك كلام شيخ الإسلام في "النبوات" (٢/ ٨١٨).
  3. (٣) كذا بالواو يعني الرفع في جميع النسخ، على حذف ضمير الشأن اسم أنَّ.
  4. (٤) انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (١٤/ ٣٨٣ - ٣٨٤)، و"المغني" (١٢/ ٤٥٤).
  5. (٥) ع: "استهلكت".
  6. (٦) قال صاحب "الهداية" (٢/ ٣٧٣): "وهو المشهور، وروى الحسن عنه أنه يضمن بالاستهلاك".
561

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي