قالوا: وأمَّا حديث عبد الرَّحمن بن عوفٍ، فمنقطعٌ١ لا يثبت. يرويه سعدُ بن إبراهيم عن منصورٍ٢، وقد طعن في الحديث ابنُ المنذر، فقال: سعدُ بن إبراهيم مجهولٌ. وقال ابن عبد البرِّ: الحديثُ ليس بالقويِّ٣.
وأمَّا استقرارُ ذلك في فِطَر النَّاس فمَن قال: إنّه مستقرٌّ في فِطَرهم أنَّ الغنيَّ الواجدَ إذا سرَق مالَ فقيرٍ محتاجٍ أو يتيمٍ وأتلَفَه، وقُطِعت يدُه: أنّه لا يضمَنُ مالَ هذا الفقير واليتيم، مع تمكُّنه من الضَّمان وقدرته عليه، وضرورة صاحبه وضَعفه؟ وهل المستقرُّ في فِطَر النّاس إلّا عكسُ هذا؟
وأمّا قولكم: لو ثبتت في ذمّته بعد القطع لكان قد ملَكَها، فضعيفٌ جدًّا، لأنّها بالإتلاف قد استقرَّت في ذمَّته، ولهذا له المطالبةُ ببدلها٤ اتِّفاقًا. وهذا الاستقرارُ في ذمّته لا يمنع القطَع، فإنّه يُقطَع بعد إتلافها واستقرارها في ذمّته، فكيف يزيل القطعُ ما ثبَت في ذمَّته، ويكون مبرِّئًا له منه؟
وتوسَّطَ فقهاءُ المدينة مالكٌ وغيره بين القولين، وقالوا: إن كان له مالٌ ضمِنَها بعد القطع، وإن لم يكن له مالٌ فلا ضمانَ عليه٥. وهذا استحسانٌ حسنٌ جدًّا، وما أقربه من محاسن الشَّرع، وأولاه بالقبول! والله أعلم.
(١) ل: "منقطع".
(٢) كذا في جميع النسخ و"المغني" الذي صدر عنه المؤلف. وهو تحريف، صوابه "المِسْوَر" كما في سند الحديث.
(٣) "المغني" (١٢/ ٤٥٤). وقول ابن عبد البر في "التمهيد" (١٤/ ٣٨٣). وانظر: "تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (٤/ ٥٦١).
وكلٌّ منهما إذا أُفْرِدَ تضمَّن الآخرَ، فكلُّ إثمٍ عدوانٌ، إذ هو فعلُ ما نهى الله عنه، أو تركُ ما أمر الله به، فهو عدوانٌ على أمره ونهيه. وكلُّ عدوانٍ إثمٌ، فإنّه يأثم به١ صاحبُه.
ولكن عند اقترانهما، فهما شيئان بحسب متعلَّقهما ووصفهما. فالإثم: ما كان محرَّمَ الجنس كالكذب والزِّنى وشرب الخمر ونحو ذلك. والعدوان ما كان محرَّم القدر والزِّيادة. فالعدوان: تعدِّي ما أبيح منه إلى القدر المحرَّم، كالاعتداء في أخذ الحقِّ ممّن هو عليه، إمَّا أن يعتديَ على ماله أو بدنه أو عرضه، فإذا غصَبه خشبةً لم يرضَ عوضَها إلَّا دارَه، وإذا أتلف عليه شيئًا أتلف عليه أضعافَه، وإذا قال فيه كلمةً قال فيه أضعافَها= فهذا كلُّه عدوانٌ وتعدٍّ للعدل.
وهذا نوعان: عدوانٌ في حقِّ الله، وعدوانٌ في حقِّ العبد. فالعدوانُ في حقِّ الله كما إذا تعدَّى ما أبيح له من الوطء الحلال في الأزواج والمملوكات إلى ما حُرِّم عليه من سواهما، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٦ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾[المؤمنون: ٥].
(١) في هامش الصفحة: "بلغ مقابلة وقراءة على مصنفه ﵁ ".