وكلٌّ منهما إذا أُفْرِدَ تضمَّن الآخرَ، فكلُّ إثمٍ عدوانٌ، إذ هو فعلُ ما نهى الله عنه، أو تركُ ما أمر الله به، فهو عدوانٌ على أمره ونهيه. وكلُّ عدوانٍ إثمٌ، فإنّه يأثم به١ صاحبُه.
ولكن عند اقترانهما، فهما شيئان بحسب متعلَّقهما ووصفهما. فالإثم: ما كان محرَّمَ الجنس كالكذب والزِّنى وشرب الخمر ونحو ذلك. والعدوان ما كان محرَّم القدر والزِّيادة. فالعدوان: تعدِّي ما أبيح منه إلى القدر المحرَّم، كالاعتداء في أخذ الحقِّ ممّن هو عليه، إمَّا أن يعتديَ على ماله أو بدنه أو عرضه، فإذا غصَبه خشبةً لم يرضَ عوضَها إلَّا دارَه، وإذا أتلف عليه شيئًا أتلف عليه أضعافَه، وإذا قال فيه كلمةً قال فيه أضعافَها= فهذا كلُّه عدوانٌ وتعدٍّ للعدل.
وهذا نوعان: عدوانٌ في حقِّ الله، وعدوانٌ في حقِّ العبد. فالعدوانُ في حقِّ الله كما إذا تعدَّى ما أبيح له من الوطء الحلال في الأزواج والمملوكات إلى ما حُرِّم عليه من سواهما، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٦ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾[المؤمنون: ٥].
(١) في هامش الصفحة: "بلغ مقابلة وقراءة على مصنفه ﵁ ".
وكذلك تعدِّي ما أبيح له من زوجته وأمته إلى ما حُرِّم عليه منها كوطئها في حيضها أو نفاسها أو في إحرام أحدهما أو صيامه الواجب.
وكذلك كلُّ ما أبيح له منه قدرٌ معيّنٌ، فتعدَّاه إلى أكثر منه، فهو من العدوان، كمن أبيح له إساغةُ الغصَّة بجُرعةٍ من خمرٍ، فتناول الكأسَ كلَّها؛ أو أبيح له نظرةُ الخِطْبة والسَّوم والشَّهادة والمعاملة والمداواة، فأطلقَ عنانَ طرفه في ميادين محاسن المنظور، وأسامَ طرفَ ناظره في تلك الرِّياض والزُّهور، فتعدَّى المباحَ إلى القدر المحظور، وحام حولَ الحِمى المحوَّط المحجور، فصار ذا بصرٍ حائرٍ١، وقلبٍ عن مكانه طائرٍ. أرسل طرفَه رائدًا يأتيه بالخبر، فخامَر عليه٢ وأقام، فبعث القلبَ في آثاره، فلم يشعر إلّا وهو أسيرٌ يحجُل في قيوده بين تلك الخيام؛ فما أقلعت لحظاتُ ناظره حتَّى تشحَّط بينهنَّ قتيلًا، وما برحت٣ تَنُوشه سيوفُ تلك الجفون حتّى جدَّلَتْه تجديلًا.
هذا خطرُ العدوان، وما أمامَه أعظَمُ وأخطَرُ٤. وهذا فوتُ الحرمان، وما حُرِمَه من ثواب مَن غضَّ طرفَه لله أجلُّ وأكبر. سافَرَ الطَّرفُ في مفاوز
(١) كذا في م بعلامة إهمال الحاء تحتها وفي ش. وفي غيرهما: "جائر". وفي خطبة ابن نباتة المشهورة: "فأصبح ذا بصر حائر وقلب طائر". انظر "ديوان خطبه" (ص ٩٥)، و"التذكرة الحمدونية" (٦/ ٢٩٥).
(٢) يعني: خدعه وخانه.
(٣) ما عدا ع: "بردت"، فإن صحَّ فمعناه هنا: سكنت وفترت. وغيِّر في م إلى ما أثبت وهو أشبه.