محاسن المنظور إليه فلم يربَحْ إلَّا أذى السَّفَر، وغرَّر بنفسه في ركوب تلك البِيد١ وما عرَفَ أنَّ راكبها على أعظم الخطَر! يا لها سفرةً لم يبلغ المسافر منها نواه٢، ولم يضَعْ فيها عن عاتقه عصاه، حتّى قُطِعَ عليه فيها الطَّريق، وقعد له الرَّصَدُ٣ على كلِّ نَقْبٍ ومضيقٍ. لا يستطيع الرُّجوعَ إلى وطنه والإيابَ، ولا له سبيلٌ إلى المرور والذَّهاب. يرى هَجِيرَ الهاجرة٤ من بعيدٍ فيظنُّه بردَ الشّراب، ﴿مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ﴾[النور: ٣٩]، وتيقَّن أنّه كان مغرورًا بلامع السَّراب!
تالله ما استوت هذه الذِّلّةُ وتلك اللَّذّةُ في القيمة فيشتريَها بها العارفُ الخبير، ولا تقاربا في المنفعة، فيتخيَّرَ بينهما البصير؛ ولكن على العيون غشاوةٌ فلا تفرِّقُ بين مواطن السَّلامة ومواطن العثور، والقلوبُ تحت أغطية الغفلات راقدةٌ فوق فُرُش الغُرور، ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ٤٦﴾[الحج: ٤٦].
ومن أمثلة العدوان: تجاوزُ ما أُبيحَ من الميتة للضَّرورة إلى ما لم يُبَحْ منها، إمَّا بأن يشبَعَ وإنَّما أُبيح له سدُّ الرَّمَق، على أحد القولين في مذهب أحمد والشّافعيِّ وأبي حنيفة٥.
وأباح مالكٌ له الشِّبَعَ والتّزوُّدَ إذا احتاج إليه، فإذا استغنى عنها وأكَلَها
واقيًا لماله وبخلًا عن شِرَى المذكّى ونحوه، كان تناولُها عدوانًا١.
قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[البقرة: ١٧٣]. قال قتادة والحسن: لا يأكلها من غير اضطرارٍ، ولا يعدو شِبَعَه. وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ غيرَ طالبها وهو يجد غيرَها ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي لا يتعدّى ما حُدَّ له منها فيأكلَ حتّى يشبَعَ، ولكن سدُّ الرَّمَق. وقال٢ مقاتلٌ: غيرَ مستحلٍّ لها ولا متزوِّدٍ٣ منها. وقيل: لا يبغي بتجاوز الحدِّ الذي حُدَّ له منها، ولا يتعدّى بتقصيره عن تناوله٤ حتّى يهلك، فيكون قد تعدّى حدَّ الله بمجاوزته أو التَّقصير عنه، فهذا آثمٌ، وهذا آثمٌ. وقال مسروقٌ: من اضطُرَّ إلى الميتة والدَّم ولحم الخنزير فلم يأكل ولم يشرب حتّى مات دخل النّار٥. وهذا أصحُّ القولين في الآية.
وقال ابنُ عبَّاسٍ وأصحابُه والشَّافعيُّ: غيرَ باغٍ على السُّلطان ولا عادٍ في سفره، فلا يكون سفرَ معصيةٍ. وبنوا على ذلك أنَّ العاصيَ بسفره لا يترخَّص٦.
(١) انظر: "الموطأ" (١٤٣٩، ١٤٤٠). و"الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٩٢٢) وقد ذكر أنه إحدى الروايتين.
(٢) ما عدا ع: "قال" دون الواو قبله.
(٣) ما عدا ع: "ولا يتزوَّد"، والمثبت موافق لما في مصدر النقل.
(٤) ش: "تناولها"، ونحوه في م ولكن أخشى أنه مغيَّر.
(٥) الأقوال المذكورة كلها منقولة من "تفسير البغوي" (١/ ١٨٤).