مدارج السالكين

والقولُ الأَوّلُ أصحُّ لعشرة أوجهٍ ليس هذا موضعَ ذكرها، إذ الآيةُ لا تعرُّضَ فيها للسَّفَر بنفيٍ ولا إثباتٍ، ولا للخروج على الإمام، ولا هي مختصّةٌ بذلك، ولا سيقت له. وهي عامَّةٌ في حقِّ المقيم والمسافر، والبغيُ والعدوانُ فيها يرجعان إلى الأكل المقصود بيانُه، لا إلى أمرٍ خارجٍ عنه لا تعلُّقَ له بالأكل؛ ولأنّ١ نظير هذا قوله في الآية الأخرى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، فهذا هو الباغي العادي. والمتجانفُ للإثم: المائلُ إلى القدر الحرام من أكلها. وهذا هو الشَّرط الذي لا تباح٢ له بدونه؛ ولأنَّها إنّما أبيحت للضَّرورة، فتقدَّرت الإباحةُ بقدرها، وأعلَمَهم أنَّ الزِّيادةَ عليها بغيٌ وعدوانٌ وإثمٌ، فلا تكون الإباحةُ للضَّرورة سببًا لحلِّه. والله أعلم.

والإثمُ والعدوانُ هما الإثمُ والبغيُ المذكوران في سورة الأعراف٣، مع أنّ البغيَ غالبُ استعماله في حقوق العباد والاستطالة عليهم. وعلى هذا فإذا قُرن٤ بالعدوان كان البغيُ ظلمَهم بمحرَّم الجنس كالسَّرقة والكذب والبهت والابتداء بالأذى، والعدوانُ تعدِّيَ الحقِّ في استيفائه إلى أكثر٥ منه،

  1. (١) "لأن" ساقط من ج، ش، وضرب عليه في م.
  2. (٢) ج، ش: "يباح" يعني الأكل. ولم ينقط حرف المضارع في غيرهما.
  3. (٣) في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ الآية [٣٣].
  4. (٤) ش: "اقترن".
  5. (٥) ش، ع: "أكبر"، ولم يعجم في الأصل.
570

فيكون البغيُ والعدوانُ في حقِّهم كالإثم والعدوان١ في حدود الله.

فهاهنا أربعة أمورٍ: حقٌّ لله وله حدٌّ. وحقٌّ لعباده وله حدٌّ. فالبغيُ والعدوانُ والظُّلم: تجاوزُ الحدَّين إلى ما وراءهما، أو التَّقصيرُ عنهما، فلا يصل إليهما.

فصل

وأمّا الفحشاء والمنكر، فالفحشاء: صفةٌ لموصوفٍ قد حُذِف تجريدًا لقصد الصِّفة، وهي الفَعْلَة الفحشاء والخَصْلة الفحشاء. وهي ما ظهر قبحُها لكلِّ أحدٍ واستفحَشَه كلُّ ذي عقلٍ سليمٍ. ولهذا فُسِّر بالزِّنى واللِّواط، وسمَّاه الله فاحشةً لتناهي قبحه. وكذلك القبيحُ من القول يسمّى فحشًا، وهو ما ظهر قبحُه جدًّا من السَّبِّ القبيح والقذف ونحوه.

وأمّا المنكر، فصفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أيضًا، أي الفعل المنكر، وهو الذي تنكره العقول والفِطَر. ونسبتُه إليها كنسبة الرَّائحة القبيحة إلى حاسَّة الشَّمِّ، والمنظرِ القبيحِ إلى العين، والطَّعمِ المستكرهِ إلى الذَّوق، والصَّوتِ المنكرِ إلى الأذن.

فما اشتدَّ إنكارُ العقول والفِطَر له فهو فاحشةٌ، كما فحشَ٢ إنكارُ الحواسِّ له من هذه المدركات. فالمنكَر لها: ما لم تعرفه ولم تألفه. والقبيحُ المستكَره لها الذي تشتدُّ نفرتُها عنه هو الفاحشة.

  1. (١) "في حقِّهم كالإثم والعدوان" من ع وحدها. وهو ساقط من غيرها لانتقال النظر، وغريبٌ عدمُ التنبه عليه في الأصل المقروء على المؤلف.
  2. (٢) ما عدا ع: "فحشت".
571

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي