مدارج السالكين

في دين الله، فهو أعمُّ من الشِّرك، والشِّركُ فردٌ من أفراده.

ولهذا كان الكذبُ على رسول الله ﷺ موجبًا لدخول النَّار واتِّخاذ منزلةٍ منها مبوَّأَه ــ وهو المنزلُ اللَّازم الذي لا يفارقه صاحبُه ــ لأنّه متضمِّنٌ للقول على الله بلا علمٍ، بل صريحُ الكذب عليه؛ لأنَّ ما يضاف إلى الرَّسول فهو مضافٌ إلى المرسِل، والقولُ على الله بلا علمٍ صريحُ افتراءِ الكذبِ عليه. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١].

فذنوبُ أهل البدع كلُّها داخلةٌ تحت هذا الجنس، فلا تتحقَّق التَّوبةُ منه إلّا بالتَّوبة من البدع. وأنّى بالتَّوبة منها لمن لم يعلم أنّها بدعةٌ، أو يظنُّها سنّةً فهو يدعو إليها ويحضُّ عليها؟ فلا ينكشف لهذا ذنوبُه التي تجبُ عليه التَّوبةُ منها إلّا بتضلُّعه من السُّنَّة، وكثرةِ الاطِّلاعِ عليها، ودوامِ البحث عنها والتَّفتيشِ عليها، ولا ترى صاحبَ بدعةٍ كذلك أبدًا.

فإنَّ السُّنّةَ بالذَّات تمحقُ البدعة، ولا تقوم لها١. فإذا طلعت شمسُها في قلب العبد قطَعت من قلبه ضَبابَ كلِّ بدعةٍ، وأزالت ظلمةَ كلِّ ضلالةٍ، إذ لا سلطانَ للظُّلمة مع سلطان الشَّمس. ولا يُري العبدَ الفرقَ بين السُّنَّة والبدعة ويعينُه على الخروج من ظُلَمِها إلى نور السُّنّة إلّا تجريدُ المتابعة، والهجرةُ بقلبه كلَّ وقتٍ إلى الله بالاستعانةِ والإخلاصِ وصدقِ اللَّجإ، وإلى رسوله بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنَّته. "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسوله"٢، ومن هاجر إلى

  1. (١) يعني: لا تقوم البدعةُ للسُّنَّة.
  2. (٢) من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وقد تقدم.
574

غير ذلك فهو حظُّه ونصيبه في الدُّنيا والآخرة. وبالله المستعان.

فصل

ومن أحكام التَّوبة: أنَّ من تعذَّر عليه أداءُ الحقِّ الذي فرَّط فيه ولم يمكنه تداركُه، ثمَّ تاب، فكيف حكمُ توبته؟

وهذا يتصوَّر في حقِّ الله وحقوق عباده.

فأمَّا في حقِّ الله، فكمن ترك الصَّلاة عمدًا من غير عذرٍ مع علمه بوجوبها وفرضها، ثمَّ تاب وندم. فاختلف السَّلفُ في هذه المسألة١.

فقالت طائفةٌ: توبتُه بالنَّدَم والاشتغال بأداء الفرائض المستأنفة وقضاء الفرائض المتروكة. وهذا قول الأئمّة الأربعة وغيرهم.

وقالت طائفةٌ: توبةُ هذا٢ باستئناف العمل في المستقبل ولا ينفعه تداركُ ما مضى بالقضاء ولا يُقبَل منه، فلا يجب عليه. وهذا قول أهل الظَّاهر، وهو مرويٌّ عن جماعةٍ من السَّلَف.

وحجّةُ المُوجِبين: قولُ النَّبيِّ ﷺ: "من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها"٣.

  1. (١) انظر: "المحلَّى" (٢/ ١٠ - ١٨)، و"المفهم" لأبي العباس القرطبي (٢/ ٣٠٩ - ٣١٠)، و"المجموع" للنووي (٣/ ٧١)، و"مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٤٠ - ٤٦). وللمؤلف بحث طويل في هذه المسألة في "كتاب الصلاة" له (ص ١٢٣ - ٢٠٦).
  2. (٢) ع: "توبته".
  3. (٣) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس بن مالك ﵁.
575

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي