مدارج السالكين

قالوا: فإذا وجب القضاء على النَّائم والنَّاسي مع عدم تفريطهما فوجوبُه على العامد المفرِّط أولى.

قالوا: ولأنّه كان يجب عليه أمران: الصَّلاةُ وإيقاعُها في وقتها، فإذا ترك أحدَ الأمرين بقيَ الآخر.

قالوا: ولأنَّ القضاءَ إن قلنا يجب بالأمر الأوّل فظاهرٌ، وإن قلنا يجب بأمرٍ جديدٍ فأمرُ النَّائم والنَّاسي به تنبيهٌ على العامد، كما تقدَّم.

قالوا: ولأنَّ مصلحةَ الفعل إن لم يمكن تداركُها تدارَكَ العبدُ منها ما أمكن. وقد فاتت مصلحةُ الفعل في الوقت فيتداركُ ما أمكن منها، وهو الفعلُ خارجَ الوقت.

قالوا: وقد قال النَّبيُّ ﷺ: "إذا أمرتُكم بأمرٍ فَأْتُوا منه ما استطعتم"١. وهذا قد استطاع الإتيانَ بالمأمور خارجَ الوقت، وقد تعذَّر عليه الإتيانُ به في وقته، فيجبُ عليه الإتيانُ بالمستطاع.

قالوا: وكيف يُظَنُّ بالشَّرع أنَّه يخفِّف عن هذا المتعمِّد المفرِّط العاصي لله ورسوله بترك الوجوب، ويُوجبه على المعذور بالنَّوم والنِّسيان؟

قالوا: ولأنَّ الصَّلاةَ خارجَ الوقت بدلٌ عن الصَّلاة في الوقت، والعبادةُ إذا كان لها بدلٌ وتعذَّر المبدَلُ انتقل المكلَّفُ إلى بدله، كالتَّيمُّمِ مع الوضوء، وصلاةِ القاعد عند تعذُّر القيام والمضطجعِ عند تعذُّر القعود، وإطعامِ العاجز عن الصِّيام لكبرٍ أو مرضٍ غير مرجوِّ [الزَّوالِ]٢ عن كلِّ يومٍ مسكينًا.

  1. (١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) زدته من "الكافي" لابن قدامة (٣/ ١٧٤).
576

ونظائرُ ذلك كثيرةٌ في الشَّرع.

قالوا: ولأنَّ الصَّلاةَ حقٌّ موقَّتٌ، فتأخيرُه عن وقته لا يسقط إلّا بمبادرته خارجَ الوقت كديونِ الآدميِّين المؤجَّلة.

قالوا: ولأنَّ غايَته أنّه أثِمَ بالتّأخير، وهذا لا يُسقط القضاءَ عنه، كمن أخَّر الزَّكاة عن وقت وجوبها تأخيرًا أثِمَ به، أو أخَّر الحجَّ تأخيرًا أثِمَ به.

قالوا: ولو ترك الجمعةَ حتّى صلّاها الإمامُ عمدًا عصى بتأخيرها ولزِمَه أن يصلِّي الظُّهر، ونسبةُ الظُّهر إلى الجمعة كنسبة صلاة الصُّبح بعد طلوع الشَّمس إلى صلاتها قبل الطُّلوع.

قالوا: وقد أخَّر النَّبيُّ ﷺ صلاةَ العصر يوم الأحزاب إلى أن صلَّاها بعد غروب الشَّمس١، فدلَّ على أنَّ فِعْلَها ممكنٌ خارجَ الوقت في العمد، سواءٌ كان معذورًا به كهذا التَّأخير وكتأخير من أخَّرها من الصَّحابة يومَ بني قريظة إلى بعد غروب الشّمس، أو لم يكن معذورًا به كتأخير المفرِّط؛ فتأخيرُهما إنّما يختلف في الإثم وعدمه، لا٢ وجوبِ التَّدارُك بعد التَّرك.

قالوا: ولو كانت الصَّلاةُ خارجَ الوقت لا تصحُّ ولا تجب لَمَا أمرَ النَّبيُّ ﷺ يوم بني قريظة بتأخير صلاة العصر إلى أن يصلُّوها فيهم، فأخَّرها بعضُهم حتّى صلَّاها فيهم باللَّيل، فلم يعنِّفهم ولم يعنِّف من صلَّاها في الطَّريق، لأجل اجتهاد الفريقين٣.

  1. (١) كما في حديث علي ﵁، أخرجه البخاري (٢٩٣١)، ومسلم (٦٢٧).
  2. (٢) بعده في ع زيادة: "في".
  3. (٣) ش: "لاجتهاد الفريقين". والحديث أخرجه البخاري (٤١١٩)، ومسلم (١٧٧٠) من حديث ابن عمر ﵄.
577

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي