مدارج السالكين

ونظائرُ ذلك كثيرةٌ في الشَّرع.

قالوا: ولأنَّ الصَّلاةَ حقٌّ موقَّتٌ، فتأخيرُه عن وقته لا يسقط إلّا بمبادرته خارجَ الوقت كديونِ الآدميِّين المؤجَّلة.

قالوا: ولأنَّ غايَته أنّه أثِمَ بالتّأخير، وهذا لا يُسقط القضاءَ عنه، كمن أخَّر الزَّكاة عن وقت وجوبها تأخيرًا أثِمَ به، أو أخَّر الحجَّ تأخيرًا أثِمَ به.

قالوا: ولو ترك الجمعةَ حتّى صلّاها الإمامُ عمدًا عصى بتأخيرها ولزِمَه أن يصلِّي الظُّهر، ونسبةُ الظُّهر إلى الجمعة كنسبة صلاة الصُّبح بعد طلوع الشَّمس إلى صلاتها قبل الطُّلوع.

قالوا: وقد أخَّر النَّبيُّ ﷺ صلاةَ العصر يوم الأحزاب إلى أن صلَّاها بعد غروب الشَّمس١، فدلَّ على أنَّ فِعْلَها ممكنٌ خارجَ الوقت في العمد، سواءٌ كان معذورًا به كهذا التَّأخير وكتأخير من أخَّرها من الصَّحابة يومَ بني قريظة إلى بعد غروب الشّمس، أو لم يكن معذورًا به كتأخير المفرِّط؛ فتأخيرُهما إنّما يختلف في الإثم وعدمه، لا٢ وجوبِ التَّدارُك بعد التَّرك.

قالوا: ولو كانت الصَّلاةُ خارجَ الوقت لا تصحُّ ولا تجب لَمَا أمرَ النَّبيُّ ﷺ يوم بني قريظة بتأخير صلاة العصر إلى أن يصلُّوها فيهم، فأخَّرها بعضُهم حتّى صلَّاها فيهم باللَّيل، فلم يعنِّفهم ولم يعنِّف من صلَّاها في الطَّريق، لأجل اجتهاد الفريقين٣.

  1. (١) كما في حديث علي ﵁، أخرجه البخاري (٢٩٣١)، ومسلم (٦٢٧).
  2. (٢) بعده في ع زيادة: "في".
  3. (٣) ش: "لاجتهاد الفريقين". والحديث أخرجه البخاري (٤١١٩)، ومسلم (١٧٧٠) من حديث ابن عمر ﵄.
577

قالوا: ولأنَّ كلَّ تائبٍ له طريقٌ إلى التَّوبة، فكيف يُسَدُّ على هذا طريقُ التَّوبة ويُجعَل إثمُ التَّضييع لازمًا له وطائرًا في عنقه؟ فهذا لا يليق بقواعد الشَّرع وحكمته ورحمته ومراعاته لمصالح العباد في المعاش والمعاد.

فهذا أقصى ما يحتجُّ به لصحة هذه المقالة.

قال أصحابُ القول الآخر: العبادةُ إذا أُمر بها على صفةٍ معيَّنةٍ أو في وقتٍ بعينه لم يكن المأمورُ ممتثلًا للأمر إلَّا إذا أوقَعَها على الوجه المأمور به من وصفها وشرطها ووقتها. فإيقاعُها في وقتها المحدود لها شرعًا شرطٌ في صحة التعبُّد بها والامتثال، فانتفاءُ وقتها كانتفاء وصفها وشرطها، فلا يتناولها الأمرُ بدونه.

قالوا: وإخراجُها عن وقتها كإخراجها عن استقبال القبلة مثلًا، وكالسُّجود على الخدِّ بدل الجبهة، والبروكِ على الرُّكبة بدل الرُّكوع ونحوه.

قالوا: والعباداتُ التي جُعِل لها ظروفٌ من الزَّمان لا تصحُّ إلّا فيه١ كالعبادات التي جعل لها ظروفٌ من المكان، فلو أراد نقلَها إلى أمكنةٍ أخرى غيرها لم تصحَّ إلّا في أمكنتها، ولا يقوم مكانٌ مقامَ مكانٍ، كأمكنة المناسك من عرفة ومزدلفة والجِمار والسَّعي بين الصَّفا والمروة والطَّواف بالبيت. فنقلُ العبادة إلى أزمنةٍ غير أزمنتها التي جُعِلَتْ أوقاتًا لها شرعًا إلى غيرها كنقلها عن أمكنتها التي جُعِلت لها شرعًا إلى غيرها، لا فرقَ بينهما في الاعتداد وعدمه كما لا فرق بينهما٢ في الإثم.

  1. (١) كذا في النسخ بدلًا من "فيها".
  2. (٢) "في الاعتداد ... بينهما" من ع.
578

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي