مدارج السالكين

قالوا: ولأنَّ كلَّ تائبٍ له طريقٌ إلى التَّوبة، فكيف يُسَدُّ على هذا طريقُ التَّوبة ويُجعَل إثمُ التَّضييع لازمًا له وطائرًا في عنقه؟ فهذا لا يليق بقواعد الشَّرع وحكمته ورحمته ومراعاته لمصالح العباد في المعاش والمعاد.

فهذا أقصى ما يحتجُّ به لصحة هذه المقالة.

قال أصحابُ القول الآخر: العبادةُ إذا أُمر بها على صفةٍ معيَّنةٍ أو في وقتٍ بعينه لم يكن المأمورُ ممتثلًا للأمر إلَّا إذا أوقَعَها على الوجه المأمور به من وصفها وشرطها ووقتها. فإيقاعُها في وقتها المحدود لها شرعًا شرطٌ في صحة التعبُّد بها والامتثال، فانتفاءُ وقتها كانتفاء وصفها وشرطها، فلا يتناولها الأمرُ بدونه.

قالوا: وإخراجُها عن وقتها كإخراجها عن استقبال القبلة مثلًا، وكالسُّجود على الخدِّ بدل الجبهة، والبروكِ على الرُّكبة بدل الرُّكوع ونحوه.

قالوا: والعباداتُ التي جُعِل لها ظروفٌ من الزَّمان لا تصحُّ إلّا فيه١ كالعبادات التي جعل لها ظروفٌ من المكان، فلو أراد نقلَها إلى أمكنةٍ أخرى غيرها لم تصحَّ إلّا في أمكنتها، ولا يقوم مكانٌ مقامَ مكانٍ، كأمكنة المناسك من عرفة ومزدلفة والجِمار والسَّعي بين الصَّفا والمروة والطَّواف بالبيت. فنقلُ العبادة إلى أزمنةٍ غير أزمنتها التي جُعِلَتْ أوقاتًا لها شرعًا إلى غيرها كنقلها عن أمكنتها التي جُعِلت لها شرعًا إلى غيرها، لا فرقَ بينهما في الاعتداد وعدمه كما لا فرق بينهما٢ في الإثم.

  1. (١) كذا في النسخ بدلًا من "فيها".
  2. (٢) "في الاعتداد ... بينهما" من ع.
578

قالوا: فنقلُ الصَّلاة المحدودة الوقت أوّلًا وآخرًا عن زمنها إلى زمنٍ آخر كنقل الوقوف بعرفة عن زمنه إلى زمنٍ آخرَ، ونقل أشهر الحجِّ عن زمنها إلى زمنٍ آخَر.

قالوا: فأيُّ فرقٍ بين مَن نقَلَ صوم رمضان إلى شوَّالٍ أو صلَّى العصر نصفَ اللَّيل وبين من حَجَّ في المحرَّم ووقف فيه؟ فكيف تصحُّ صلاةُ هذا وصيامُه دون حجِّ هذا، وكلاهما مخالفٌ لأمر الله عاصٍ آثمٌ؟

قالوا: فحقوق الله تعالى الموقَّتة لا يقبلها في غير أوقاتها، فكما لا يَقْبل١ قبل دخول أوقاتها٢ لا يَقْبل بعد خروج أوقاتها. فلو قال: أنا أصوم شوَّالَ عن رمضان كان٣ كما لو قال: أنا أصومُ شعبانَ الذي قبله عنه.

قالوا: فالحقُّ اللَّيليُّ لا يُقبل بالنَّهار، والنَّهاريُّ لا يُقبَل باللَّيل، ولهذا جاء في وصيّة الصِّدِّيق ﵁ لعمر ﵁ التي تلقَّاها بالقبول هو وسائر الصَّحابة ﵃: واعلم أنَّ لله حقًّا باللَّيل لا يقبله بالنَّهار، وله حقٌّ بالنَّهار لا يقبله باللَّيل٤.

  1. (١) كذا بالياء في الأصل هنا وفيما يأتي، وفي ش: "تقبل"، وأهمل حرف المضارع في غيرهما.
  2. (٢) ش: "الوقت".
  3. (٣) "كان" من ش.
  4. (٤) أخرجه سعيد بن منصور (٩٤٢ - التفسير) وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٦) عن عبد الرحمن بن سابط، وابن المبارك في "الزهد" (٩١٤) وابن أبي شيبة (٣٥٥٧٤، ٣٨٢١١) وأبو داود في "الزهد" (٢٩) عن زُبيد اليامي، والربعي في "الوصايا" (ص ٣٤ - ٣٥) عن قتادة، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/ ٤١٤) عن ابن أبي نجيح. وهذه الروايات ــ وإن كانت مراسيل، لأن أصحابها لم يدركوا أبا بكر ﵁ ــ تعضد بعضها بعضًا، وتجعل للوصية أصلًا.
579

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي