قالوا: ولأنّها إذا فات وقتها المحدود لها شرعًا لم تبق تلك العبادةُ بعينها، ولكن شيءٌ آخر غيرها، فإذا فُعِلَت العصرُ بعد غروب الشَّمس لم تكن عصرًا، فإنَّ العصرَ صلاةُ هذا الوقت المحدود، وهذه ليست عصرًا فلم يفعل مصلِّيها العصرَ البتّة، وإنّما أتى بأربع ركعاتٍ صورتُها صورةُ صلاة العصر، لا أنّها هي.
قالوا: وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "من ترك صلاةَ العصر حبِطَ عملُه"١. وفي لفظٍ: "الَّذي تفوته صلاةُ العصر فكأنّما وُتِرَ أهلَه ومالَه"٢. فلو كان له سبيلٌ إلى التَّدارك وفعلها صحيحةً لم يحبَط عملُه ولم يوتَر أهلَه ومالَه مع صحَّتها منه وقبولها، لأنَّ معصيةَ التّأخير عندكم لا تُحقِّق التَّركَ والفواتَ، لاستدراكه بالفعل في الوقت الثَّاني.
قالوا: وهذه الصَّلاةُ مردودةٌ بنصِّ الشَّارع، فلا يسوغ أن يقال بقبولها وصحَّتها، مع تصريحه بردِّها وإلغائها كما ثبت في "الصَّحيح"٣ عنه ﷺ من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ". وفي لفظٍ: "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ"٤. وهذا عملٌ
(١) تقدَّم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (٥٥٢)، ومسلم (٦٢٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) أخرجه مسلم (١٧١٨).
(٤) لم أجد هذا اللفظ مسندًا، وقد ذكره ابن عبد البر في "التمهيد" (٢/ ٨٢، ٩١ و١٤/ ١٦، ٧٣) وفي "الاستذكار" (٢/ ٣٤٦، ٥/ ٤٦٦) والنووي في "المجموع" (١٢/ ١١٩) والحافظ في "الفتح" (١٣/ ٢٤٨).
على خلاف أمره، فيكون ردًّا. والرَّدُّ بمعنى المردود، كالخلق بمعنى المخلوق، والضَّرب بمعنى المضروب. وإذا ثبت أنَّ هذه الصَّلاةَ مردودةٌ فليست بصحيحةٍ ولا مقبولةٍ.
قالوا: ولأنَّ الوقتَ شرطٌ في سقوط الإثم وامتثال الأمر، فكان شرطًا في براءة الذِّمّة والصِّحَّة، كسائر شروطها من الطَّهارة والاستقبال وستر العورة. فالأمرُ تناوَلَ الشُّروطَ تناولًا واحدًا، فكيف ساغ التَّفريقُ بينها مع استوائها في الوجوب والأمر والشَّرطيّة؟
قالوا: وليس مع المصحِّحين لها بعد الوقت لا نصٌّ ولا إجماعٌ ولا قياسٌ صحيحٌ، وسنُبطل جميعَ أقيستهم التي قاسوا عليها ونُبيِّن فسادها.
قالوا: وفي "مسند الإمام أحمد"١ وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: "من أفطر يومًا من رمضان بغير عذرٍ٢ لم يقضه عنه صيامُ الدَّهر"، فكيف يقال: يقضيه عنه يومٌ مثلُه؟
قالوا: ولأنَّ صحَّةَ العبادة إن فُسِّرت بموافقة الأمر، فلا ريب أنَّ هذه العبادةَ غيرُ موافقةٍ له، فلا تكون صحيحةً. وإن فُسِّرت بسقوط القضاء فإنَّما يُسْقِطُ القضاءَ ما وقع على الوجه المأمور به، وهذا لم يقع كذلك، ولا سبيل
(١) برقم (٩٧٠٦، ١٠٠٨٠، ١٠٠٨١)، وأخرجه أيضًا أبو داود (٢٣٩٧) والترمذي (٧٢٣) وغيرهما، من طريق ابن المطوس (أو: أبي المطوس) عن أبيه عن أبي هريرة ﵁. والحديث ضعيف لجهالة ابن المطوس وأبيه. وقد علَّقه البخاري بصيغة التمريض قبل الحديث (١٩٣٥). وانظر: "فتح الباري" (٤/ ١٦١).