مدارج السالكين

إلى وقوعه على الوجه المأمور به، فلا سبيل إلى صحَّته. وإن فُسِّرت١ بما أبرأ الذِّمّةَ، فهذه لم تُبرئ الذِّمَّةَ من الإثم قطعًا، ولم يثبُت بدليلٍ يجب المصيرُ إليه إبراؤها للذِّمَّة من توجُّهِ المطالبة بالمأمور.

قالوا: ولأنَّ الصَّحيحَ من العبادات ما اعتبره الشَّارعُ ورضِيه وقبِله، وهذا لا يُعلَم إلّا بإخباره عن صحَّتها أو بموافقتها أمرَه، وكلاهما منتفٍ عن هذه العبادة، فكيف يُحكَم لها بالصِّحَّة؟

قالوا: فالصِّحَّةُ والفسادُ حكمان شرعيَّان مرجعُهما إلى الشَّارع.

فالصَّحيحُ: ما شهد له بالصِّحّةَ أو عُلِمَ أنَّه وافق أمرَه، أو كان مماثلًا لما شهد له بالصِّحَّة فيكون حكمُ المثل حكمَ مثلِه. وهذه العبادة قد انتفى عنها كلُّ واحدٍ من هذه الأمور. ومِن أفسَدِ الاعتبار اعتبارُها بالتَّأخير المعذور به أو المأذون فيه، وهو اعتبارُ الشَّيء بضدِّه، وقياسُه على مخالفه في الحقيقة والشَّرع، وهو من أفسَد القياس كما سيأتي٢.

قالوا: وأمَّا استدلالُكم بقول النَّبيِّ ﷺ: "من نام عن صلاةٍ أو نسيها فَلْيصلِّها إذا ذكرها"٣، فأوجب القضاءَ على المعذور، فالمفرِّطُ أولى= فهذه الحجّةُ إلى أن تكون عليكم أقرَبُ منها أن تكون لكم! فإنَّ صاحبَ الشَّرع شرَطَ في فعلها بعد الوقت أن يكون التَّركُ عن نومٍ أو نسيانٍ، والمعلَّقُ

  1. (١) ل، ش: "فسِّر"، وكذا كان في ع، فزاد بعضهم التاء من نسخة. وضرب بعضهم على التاء في ق.
  2. (٢) "كما سيأتي" ساقط من ش.
  3. (٣) تقدم قريبًا (ص ٥٧٥).
582

على الشَّرط عَدَمٌ عند عدمه. فلم يبق معكم إلَّا مجرَّدُ قياس المفرِّط العاصي المستحقِّ للعقوبة على من عذَره الله تعالى ولم يُنْسَب إلى تفريطٍ ولا معصيةٍ، كما ثبت عنه في "الصّحيح"١: "ليس في النَّوم تفريطٌ، إنّما التَّفريطُ في اليقظة أن يؤخِّر صلاةً حتّى يدخل وقتُ التي بعدها". وأيُّ قياسٍ في الدُّنيا أفسَدُ من هذا القياس وأبطل؟

قالوا: وأيضًا فهذا لم يؤخِّر الصَّلاةَ عن وقتها، بل وقتُها المأمورُ به لمثله: حين استيقَظَ وذكَر، كما قال النَّبيُّ ﷺ: "من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها فإنَّ ذلك وقتُها، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] "٢. وهذه اللَّامُ عند كثيرٍ من النُّحاة اللَّامُ الوقتيَّة، أي عند ذكري، أو في وقت ذكري.

قالوا: والنَّبيُّ ﷺ ما صلّى الصُّبحَ يوم الوادي بعد طلوع الشَّمس إلَّا في وقتها حقيقةً.

قالوا: والأوقاتُ ثلاثة أنواعٍ: وقتٌ للقادر المستيقظ الذَّاكر غيرِ المعذور وهي٣ خمسةٌ، ووقتٌ للذَّاكر المستيقظ المعذور وهي ثلاثةٌ، فإنَّه في حقِّه وقتُ الظُّهر والعصر واحدٌ، ووقتُ المغرب والعشاء واحدٌ، ووقتُ الفجر واحدٌ. فالأوقات في حقِّ هذا ثلاثةٌ. وإذا أخّر الظُّهر إلى أن فعلها في وقت العصر فإنّما صلّاها في وقتها. ووقتٌ في حقِّ غير المكلَّف بنومٍ أو نسيانٍ فهو

  1. (١) أخرجه مسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادة ﵁.
  2. (٢) تقدم آنفًا.
  3. (٣) ما عدا ق، ل: "فهي".
583

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي