مدارج السالكين

على الشَّرط عَدَمٌ عند عدمه. فلم يبق معكم إلَّا مجرَّدُ قياس المفرِّط العاصي المستحقِّ للعقوبة على من عذَره الله تعالى ولم يُنْسَب إلى تفريطٍ ولا معصيةٍ، كما ثبت عنه في "الصّحيح"١: "ليس في النَّوم تفريطٌ، إنّما التَّفريطُ في اليقظة أن يؤخِّر صلاةً حتّى يدخل وقتُ التي بعدها". وأيُّ قياسٍ في الدُّنيا أفسَدُ من هذا القياس وأبطل؟

قالوا: وأيضًا فهذا لم يؤخِّر الصَّلاةَ عن وقتها، بل وقتُها المأمورُ به لمثله: حين استيقَظَ وذكَر، كما قال النَّبيُّ ﷺ: "من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها فإنَّ ذلك وقتُها، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] "٢. وهذه اللَّامُ عند كثيرٍ من النُّحاة اللَّامُ الوقتيَّة، أي عند ذكري، أو في وقت ذكري.

قالوا: والنَّبيُّ ﷺ ما صلّى الصُّبحَ يوم الوادي بعد طلوع الشَّمس إلَّا في وقتها حقيقةً.

قالوا: والأوقاتُ ثلاثة أنواعٍ: وقتٌ للقادر المستيقظ الذَّاكر غيرِ المعذور وهي٣ خمسةٌ، ووقتٌ للذَّاكر المستيقظ المعذور وهي ثلاثةٌ، فإنَّه في حقِّه وقتُ الظُّهر والعصر واحدٌ، ووقتُ المغرب والعشاء واحدٌ، ووقتُ الفجر واحدٌ. فالأوقات في حقِّ هذا ثلاثةٌ. وإذا أخّر الظُّهر إلى أن فعلها في وقت العصر فإنّما صلّاها في وقتها. ووقتٌ في حقِّ غير المكلَّف بنومٍ أو نسيانٍ فهو

  1. (١) أخرجه مسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادة ﵁.
  2. (٢) تقدم آنفًا.
  3. (٣) ما عدا ق، ل: "فهي".
583

غيرُ محدودٍ البتَّة، بل الوقتُ في حقِّه عند يقظته وذكره، لا وقتَ له إلّا ذلك.

هذا الذي دلَّ عليه نصوصُ الشَّرع وقواعدُه، وهذا المفرِّطُ المضيِّعُ خارجٌ عن هذه الأقسام، وهو قسمٌ رابعٌ، فبأيِّها تلحقونه؟

قالوا: وقد شرع الله تعالى قضاءَ رمضان لمن أفطَرَه لعذرٍ من حيضٍ أو سفرٍ أو مرضٍ، ولم يشرعه قطُّ لمن أفطره١ متعمِّدًا من غير عذرٍ لا بنصٍّ ولا إيماءٍ٢ ولا تنبيهٍ، ولا تقتضيه قواعده. وإنّما غايةُ ما معكم قياسُه على المعذور، مع اطِّراد قواعد الشَّرع على التَّفريق بينهما، بل قد أخبر الشَّارعُ أنَّ صيامَ الدَّهر لا يقضيه عن يومٍ يُفطره بلا عذرٍ، فضلًا عن يومٍ مثله.

قالوا: وأمّا قولكم: إنّه كان يجب عليه أمران: العبادةُ وإيقاعُها في وقتها فإذا ترك أحدَهما بقي عليه الآخَرُ؛ فهذا إنَّما ينفع فيما إذا لم يكن أحدُ الأمرين مرتبطًا بالآخر ارتباطَ الشَّرطيّة، كمن أُمِر بالحجِّ والزَّكاة، فترَكَ أحدهما لم يَسقُط عنه الآخرَ. أمَّا إذا كان أحدُهما شرطًا في الآخر وقد تعذَّر الإتيانُ بالشَّرط الذي لم يؤمر بالمشروط إلّا به، فكيف يقال: إنَّه يؤمَرُ بالآخَر بدونه، ويصحُّ منه بدون وصفه وشرطه؟ فأين أمَرَه الله بذلك؟ وهل الكلامُ إلّا فيه؟

قالوا: وإن قلنا: إنَّما يجب القضاءُ بأمرٍ جديدٍ، فلا أمرَ معكم بالقضاء في محلِّ النِّزاع، وقياسُه على مواقع الإجماع ممتنعٌ كما بيّنّاه. وإن قلنا: يجب بالأمر الأوّل، فهذا فيما إذا كان القضاءُ نافعًا ومصلحتُه كمصلحة الأداء

  1. (١) "لعذرٍ ... أفطره" ساقط من ع لانتقال النظر.
  2. (٢) ع: "بإيماء".
584

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي