مدارج السالكين

كقضاء المريض والمسافر والحائض للصَّوم، وقضاء المغمى عليه والنَّائم والنّاسي. أمَّا إذا كان القضاءُ غيرَ مبرِّئٍ١ للذِّمّة ولا هو معذورٌ بتأخير الواجب عن وقته، فهذا لم يتناوله الأمرُ الأوّل ولا أمرٌ ثانٍ، وإنَّما هو القياسُ الذي عُلِمَ افتراقُ الأصل والفرع فيه في وصفٍ ظاهرِ التَّأثير مانعِ الإلحاق٢.

قالوا: وأمَّا قولُكم: إنَّه إذا لم يمكن تداركُ مصلحة الفعل تدارَكَ منها ما أمكن، فهذا إنَّما يفيد إذا لم يكن حصولُ المصلحة موقوفًا على شرطٍ تزول المصلحةُ بزواله. والتَّداركُ بعد فواتِ شرطِه وخروجِه عن الوجه٣ المأمور به ممتنعٌ إلّا بأمرٍ آخر من التَّوبة وتكثير النَّوافل والحسنات. وأمَّا تداركُ عين هذا الفعل، فكلَّا ولمَّا٤!

قالوا: وأمّا قوله ﷺ: "إذا أمرتُكم بأمرٍ فَأْتُوا منه ما استطعتم"٥، فقد أبعَدَ النُّجعةَ مَن احتجَّ به، فإنَّ هذا إنّما يدلُّ على أنَّ المكلَّفَ إذا عجَز عن جملة المأمور به أتى بما يقدر عليه منه، كمن عجَز عن القيام في الصَّلاة أو عن إكمال غسل أعضاء الوضوء أو عن إكمال الفاتحة، أو عن تمام الكفاية في الإنفاق الواجب ونحو ذلك= أتى بما يقدر عليه، وسقَط عنه ما يعجِز٦ عنه. أمَّا مَن ترَكَ المأمورَ به حتَّى خرج وقته عمدًا وتفريطًا بلا عذرٍ، فلا

  1. (١) ضبط في ع: "مُبْرٍ" من الإبراء مع تسهيل الهمز.
  2. (٢) م، ش، ع: "للإلحاق"، وكذا غيِّر في ق.
  3. (٣) ش: "الوقت".
  4. (٤) انظر ما علَّقت على استعمال "كلا ولما" للإنكار في "زاد المعاد" (١/ ١٢).
  5. (٥) تقدَّم تخريجه.
  6. (٦) ع: "ويسقط عنه ما عجز".
585

يتناوله الحديثُ. ولو كان الحديثُ متناولًا له لمَا توعَّدَه بإحباط عمله، وشبَّهه بمن سُلِبَ أهلَه ومالَه وبقيَ بلا أهلٍ ولا مالٍ.

قالوا: وأمّا قولكم: إنَّه لا يُظَنُّ بالشَّرع تخفيفُه عن هذا العامد المفرِّط بعدم إيجاب القضاء، وتكليفُ المعذور به؛ فكلامٌ بعيدٌ عن التَّحقيق بيِّنُ البطلان، فإنَّ هذا المعذورَ إنّما فعَلَ ما أُمِر به في وقته كما تقدَّم، فهو١ في فعلِ ما أُمِرَ به كغير المعذور الذي صلّى في وقته. ونحن لم نُسْقِط القضاءَ عن العامد المفرِّط تخفيفًا عنه، بل لأنَّه غيرُ نافعٍ له ولا مقبولٍ منه ولا مأمورٍ به، فلا سبيلَ له إلى تحصيلِ مصلحةِ ما تركه، فأين التَّخفيفُ عنه؟

قالوا: وأمَّا قولُكم: إنَّ الصَّلاةَ خارجَ الوقت بدلٌ عن الصَّلاة في الوقت، وإذا تعذَّر المبدَلُ انتقل إلى بدله، فهل هذا إلّا مجرَّد دعوى! وهل وقع النِّزاع إلّا في هذا! فما الدَّليل على أنَّ صلاةَ هذا المفرِّط العامد بدلٌ؟ ونحن نطالبكم بالأمر بها أوّلًا، وبكونها مقبولةً نافعةً ثانيًا، وبكونها بدلًا ثالثًا؛ ولا سبيل لكم إلى إثبات شيءٍ من ذلك البتَّة. وإنّما يُعلَم كونُ الشَّيء بدلًا بجعل الشَّارع له كذلك، كشرعه التّيمُّمَ عند العجز عن استعمال الماء، والإطعامَ عند العجز عن الصِّيام، وبالعكس كما في كفّارة اليمين. فأين جعل الشَّرعُ٢ قضاءَ هذا المفرِّط المضيِّع بدلًا عن فعله العبادةَ في الوقت؟ وهو ذلك القياسُ الذي قد تبيَّن فساده؟

قالوا: وأمّا قياسُكم فعلَها خارجَ الوقت على صحَّة أداء ديون الآدميِّين بعد وقتها، فمن هذا النَّمَط لأنَّ وقتَ الوجوب في حقِّه ليس محدودَ الطَّرفين

  1. (١) "فهو" ساقط من ش.
  2. (٢) م، ش: "الشارع".
586

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي