صريحًا١ في التَّوقيت بما بين الرَّمضانين كتوقيت أيَّام رمضان بما بين الهلالين، فاعتبارُ أحدهما بالآخر ممتنعٌ وجمعٌ بين ما فرَّق الله بينهما، فإنَّه جعَلَ أيّامَ رمضان محدودةً بحدٍّ لا تتقدَّم عنه ولا تتأخَّر، وأطلَق أيّامَ القضاء وأكَّد إطلاقها بقوله: ﴿أُخَرَ﴾، وأفتى من أفتى من الصَّحابة بالإطعام لمن أخَّرها إلى رمضان آخر جبرًا لزيادة التّأخير عن المدَّة التي بين الرَّمضانين، ولا تخرج بذلك عن كونها قضاءً بل هي قضاءٌ، وإن فُعِلت بعد رمضان آخر فحكمُها في القضاء قبلَ رمضان وبعدَه واحدٌ بخلاف أيّام رمضان.
يوضِّح هذا: أنَّه لو أفطر يومًا من أيّام رمضان عمدًا بغير عذرٍ لم يتمكَّن أن يقيم مقامَه يومًا آخر مثلَه٢ البتّة. ولو أفطر يومًا من أيّام القضاء٣ قام اليومُ الذي بعده مقامه. وسرُّ الفرق: أنَّ المعذور لم يتعيَّن في حقِّه أيّامُ القضاء بل هو مخيَّرٌ فيها، وأيُّ يومٍ صامه قام مقام الآخر. وأمَّا غيرُ المعذور، فأيّامُ الوجوب متعيِّنةٌ في حقِّه لا يقوم غيرُها مقامَها.
قالوا: وأمَّا من ترك الجمعة عمدًا فإنّما أوجبنا عليه الظُّهر، لأنَّ الواجبَ في هذا الوقت أحدُ الصَّلاتين ولا بدَّ: إمَّا الجمعة وإمَّا الظُّهر. فإذا ترك الجمعة فوقتُ الظُّهر قائمٌ وهو مخاطَبٌ بوظيفة الوقت. قالوا: ولاسيَّما عند من يجعل الجمعة بدلًا من الظُّهر، فإنّه إذا فاته البدل رجع إلى الأصل.
هذا إن٤ كان القضاءُ ثابتًا بالإجماع أو بالنَّصِّ. وإن كان فيه خلافٌ
(١) ع: "تصريحًا".
(٢) "مثله" ساقط من ش، وكذا كلمة "اليوم" الآتية.
(٣) ج: "رمضان القضاء". وكذا كان في الأصل ثم يبدو أنه ضرب على كلمة "رمضان".
(٤) ع: "وهذا وإن"!
أجبنا بالجواب المركَّب، فنقول: إن كان تركُ الجمعة مساويًا لترك الصَّلاة حتّى يخرج وقتها فالحكم في الصُّورتين١ واحدٌ، ولا فرق حينئذٍ، عملًا بما ذكرنا من الدَّليل. وإن كان بينهما فرقٌ مؤثِّرٌ بطل الإلحاقُ، فامتنع القياس. فعلى التَّقديرين بطَل القياس.
قالوا: وأمَّا تأخيرُ النَّبيِّ ﷺ صلاةَ العصر يوم الأحزاب إلى غروب الشَّمس، فللنّاس في هذا التّأخير، هل هو منسوخٌ أم لا؟ قولان٢: فقال الجمهور كأحمد والشّافعيِّ ومالكٍ: هذا كان قبل نزول صلاة الخوف، ثمَّ نُسِخَ بصلاة الخوف، فكان٣ ذلك التّأخيرُ كتأخير الجمع بين الصَّلاتين. فلا يجوز اعتبارُ التَّرك المحرَّم به، ويكون الفرقُ بينهما كالفرق بين تأخير النَّائم والنَّاسي وتأخير المفرِّط، بل أولى لأنَّ هذا التّأخير حينئذٍ مأمورٌ به، فهو كتأخير المغرب ليلةَ جمعٍ إلى مزدلفة. والقولُ الثَّاني: أنّه ليس بمنسوخٍ، بل هو باقٍ، وللمقاتل تأخيرُ الصَّلاة حال اشتغاله٤ بالحرب والمسايفة، وفعلُها عند تمكُّنه منها٥. وهذا قول أبي حنيفة، ويذكر روايةً عن أحمد. وعلى التَّقديرين، فلا يصحُّ إلحاقُ تأخير العامد المفرِّط به.