أجبنا بالجواب المركَّب، فنقول: إن كان تركُ الجمعة مساويًا لترك الصَّلاة حتّى يخرج وقتها فالحكم في الصُّورتين١ واحدٌ، ولا فرق حينئذٍ، عملًا بما ذكرنا من الدَّليل. وإن كان بينهما فرقٌ مؤثِّرٌ بطل الإلحاقُ، فامتنع القياس. فعلى التَّقديرين بطَل القياس.
قالوا: وأمَّا تأخيرُ النَّبيِّ ﷺ صلاةَ العصر يوم الأحزاب إلى غروب الشَّمس، فللنّاس في هذا التّأخير، هل هو منسوخٌ أم لا؟ قولان٢: فقال الجمهور كأحمد والشّافعيِّ ومالكٍ: هذا كان قبل نزول صلاة الخوف، ثمَّ نُسِخَ بصلاة الخوف، فكان٣ ذلك التّأخيرُ كتأخير الجمع بين الصَّلاتين. فلا يجوز اعتبارُ التَّرك المحرَّم به، ويكون الفرقُ بينهما كالفرق بين تأخير النَّائم والنَّاسي وتأخير المفرِّط، بل أولى لأنَّ هذا التّأخير حينئذٍ مأمورٌ به، فهو كتأخير المغرب ليلةَ جمعٍ إلى مزدلفة. والقولُ الثَّاني: أنّه ليس بمنسوخٍ، بل هو باقٍ، وللمقاتل تأخيرُ الصَّلاة حال اشتغاله٤ بالحرب والمسايفة، وفعلُها عند تمكُّنه منها٥. وهذا قول أبي حنيفة، ويذكر روايةً عن أحمد. وعلى التَّقديرين، فلا يصحُّ إلحاقُ تأخير العامد المفرِّط به.
وكذلك تأخيرُ الصَّحابة ﵃ العصرَ يومَ بني قريظة، فإنَّه كان تأخيرًا مأمورًا به عند طائفةٍ من أهل العلم كأهل الظَّاهر، أو تأخيرًا سائغًا للتّأويل عند بعضهم. ولهذا لم يعنِّف النّبيُّ ﷺ من صلَّاها في الطَّريق في وقتها، ولا من أخَّرها إلى اللَّيل حتّى صلَّاها في بني قريظة، لأنَّ هؤلاء تمسَّكوا بظاهر الأمر، وأولئك نظروا إلى المعنى والمراد منهم وهو سرعةُ السَّير.
واختلف علماء الإسلام في تصويب أيِّ الطَّائفتين١.
فقالت فرقةٌ: لو كنَّا مع القوم لصلَّينا في الطَّريق مع الذين فهموا المراد وعقلوا مقصود الأمر، فجمعوا بين إيقاع الصَّلاة في وقتها وبين المبادرة إلى العدوِّ، ولم يفُتهم مشهدُهم، إذ المقدارُ الذي سبقهم به أولئك لحقوهم به لمَّا اشتغلوا بالصَّلاة وقتَ النُّزول٢. قالوا: فهؤلاء أفقه الطَّائفتين، جمعوا بين الامتثال والاجتهاد والمبادرة٣ إلى الجهاد مع فقه النَّفس.
وقالت طائفةٌ: لو كنَّا معهم لأخَّرنا الصَّلاةَ مع الذين أخَّروها إلى بني قريظة، وهم الذين أصابوا حكمَ الله قطعًا. وكان هذا التَّأخيرُ واجبًا لأمر رسول الله ﷺ به، فهو الطَّاعةُ لله ذلك اليومَ خاصَّةً. واللهُ يأمر بما يشاء، فأمرُه بالتَّأخير في وجوب الطَّاعة كأمره بالتَّقديم؛ فهؤلاء كانوا أسعدَ بالنَّصِّ، وهم الذين فازوا بالأجرين. وإنّما لم يُعنِّف الآخَرين لأجل التّأويل والاجتهاد،