وكذلك تأخيرُ الصَّحابة ﵃ العصرَ يومَ بني قريظة، فإنَّه كان تأخيرًا مأمورًا به عند طائفةٍ من أهل العلم كأهل الظَّاهر، أو تأخيرًا سائغًا للتّأويل عند بعضهم. ولهذا لم يعنِّف النّبيُّ ﷺ من صلَّاها في الطَّريق في وقتها، ولا من أخَّرها إلى اللَّيل حتّى صلَّاها في بني قريظة، لأنَّ هؤلاء تمسَّكوا بظاهر الأمر، وأولئك نظروا إلى المعنى والمراد منهم وهو سرعةُ السَّير.
واختلف علماء الإسلام في تصويب أيِّ الطَّائفتين١.
فقالت فرقةٌ: لو كنَّا مع القوم لصلَّينا في الطَّريق مع الذين فهموا المراد وعقلوا مقصود الأمر، فجمعوا بين إيقاع الصَّلاة في وقتها وبين المبادرة إلى العدوِّ، ولم يفُتهم مشهدُهم، إذ المقدارُ الذي سبقهم به أولئك لحقوهم به لمَّا اشتغلوا بالصَّلاة وقتَ النُّزول٢. قالوا: فهؤلاء أفقه الطَّائفتين، جمعوا بين الامتثال والاجتهاد والمبادرة٣ إلى الجهاد مع فقه النَّفس.
وقالت طائفةٌ: لو كنَّا معهم لأخَّرنا الصَّلاةَ مع الذين أخَّروها إلى بني قريظة، وهم الذين أصابوا حكمَ الله قطعًا. وكان هذا التَّأخيرُ واجبًا لأمر رسول الله ﷺ به، فهو الطَّاعةُ لله ذلك اليومَ خاصَّةً. واللهُ يأمر بما يشاء، فأمرُه بالتَّأخير في وجوب الطَّاعة كأمره بالتَّقديم؛ فهؤلاء كانوا أسعدَ بالنَّصِّ، وهم الذين فازوا بالأجرين. وإنّما لم يُعنِّف الآخَرين لأجل التّأويل والاجتهاد،
فإنّهم إنّما قصدوا طاعةَ الله ورسوله، وهم أهلُ الأجر الواحد، وهم كالحاكم الذي يجتهد فيخطئ الحقَّ.
والمقصود: أنَّ إلحاقَ المفرِّط العاصي بالتَّأخير بهؤلاء في غاية الفساد.
قالوا: وأمّا قولكم: إنَّ١ هذا تائبٌ نادمٌ، فكيف يُسَدُّ عليه طريقُ التَّوبة، ويُجعل إثمُ التَّضييع لازمًا له وطائرًا في عنقه؟ فمعاذ الله أن نسُدَّ عليه بابًا فتحه الله لعباده المذنبين كلِّهم، ولم يغلقه عن أحدٍ إلى حين موته أو إلى وقت طلوع الشَّمس من مغربها! وإنَّما الشَّأنُ في طريق توبته وتحقيقها، هل يتعيَّن لها القضاءُ أم يستأنف العملَ ويصير ما مضى لا له ولا عليه، ويكون حكمُه حكمَ الكافر إذا أسلم في استئناف العمل وقبول التَّوبة؟ فإنَّ تركَ فريضةٍ من فرائض الإسلام لا يزيد على ترك الإسلام بجملته وفرائضه، فإذا كانت توبةُ تارك الإسلام مقبولةً صحيحةً لا يشترط في صحَّتها إعادةُ ما فاته في حال كفره٢، أصليًّا كان أو مرتدًّا، كما أجمع عليه الصَّحابةُ ﵃ في ترك أمر المرتدِّين لمَّا رجعوا إلى الإسلام بالقضاء= فقبولُ توبة تارك الصَّلاة وعدم توقُّفها على القضاء أولى. والله أعلم.
فصل
وأمَّا حقوق العباد، فتتصوَّر في مسائل:
إحداها: من غصب أموالًا، ثمَّ تاب، وتعذَّر عليه ردُّها٣ إلى أصحابها
(١) لم ترد "إنّ" في ع.
(٢) هكذا في ش، وهامش م مع التصحيح. وفي غيرهما: "إسلامه".