مدارج السالكين

فإنّهم إنّما قصدوا طاعةَ الله ورسوله، وهم أهلُ الأجر الواحد، وهم كالحاكم الذي يجتهد فيخطئ الحقَّ.

والمقصود: أنَّ إلحاقَ المفرِّط العاصي بالتَّأخير بهؤلاء في غاية الفساد.

قالوا: وأمّا قولكم: إنَّ١ هذا تائبٌ نادمٌ، فكيف يُسَدُّ عليه طريقُ التَّوبة، ويُجعل إثمُ التَّضييع لازمًا له وطائرًا في عنقه؟ فمعاذ الله أن نسُدَّ عليه بابًا فتحه الله لعباده المذنبين كلِّهم، ولم يغلقه عن أحدٍ إلى حين موته أو إلى وقت طلوع الشَّمس من مغربها! وإنَّما الشَّأنُ في طريق توبته وتحقيقها، هل يتعيَّن لها القضاءُ أم يستأنف العملَ ويصير ما مضى لا له ولا عليه، ويكون حكمُه حكمَ الكافر إذا أسلم في استئناف العمل وقبول التَّوبة؟ فإنَّ تركَ فريضةٍ من فرائض الإسلام لا يزيد على ترك الإسلام بجملته وفرائضه، فإذا كانت توبةُ تارك الإسلام مقبولةً صحيحةً لا يشترط في صحَّتها إعادةُ ما فاته في حال كفره٢، أصليًّا كان أو مرتدًّا، كما أجمع عليه الصَّحابةُ ﵃ في ترك أمر المرتدِّين لمَّا رجعوا إلى الإسلام بالقضاء= فقبولُ توبة تارك الصَّلاة وعدم توقُّفها على القضاء أولى. والله أعلم.

فصل

وأمَّا حقوق العباد، فتتصوَّر في مسائل:

إحداها: من غصب أموالًا، ثمَّ تاب، وتعذَّر عليه ردُّها٣ إلى أصحابها

  1. (١) لم ترد "إنّ" في ع.
  2. (٢) هكذا في ش، وهامش م مع التصحيح. وفي غيرهما: "إسلامه".
  3. (٣) ش: "أداؤها"، وكذا كان في الأصل ثم أصلح.
591

أو إلى ورَثتهم لجهله بهم أو لانقراضهم وغير ذلك؛ فاختلف في توبة مثل هذا١.

فقالت طائفةٌ: لا توبةَ له إلّا بأداء هذه المظالم إلى أربابها. فإذا كان ذلك قد تعذَّر عليه تعذَّرت عليه التَّوبةُ، والقِصاصُ أمامه يوم القيامة بالحسنات والسّيِّئات ليس إلَّا.

قالوا: فإنّ هذا حقُ آدميٍّ لم يصل إليه، والله تعالى لا يترك من حقوق عباده شيئًا، بل يستوفيها لبعضهم من بعضٍ، ولا يجاوزه ظلمُ ظالمٍ، فلا بدَّ أن يأخذ للمظلوم حقَّه من ظالمه، ولو لَطْمةً، ولو كَلْمةً، ولو رَمْيةً بحجرٍ.

قالوا: وأقربُ ما لهذا في تدارك الفارط منه أن يستكثر من الحسنات ليتمكَّن من الوفاء منها يومَ لا يكون الوفاءُ بدينارٍ ولا درهمٍ، فيتَّجر تجارةً يمكنه الوفاءُ منها. ومن أنفع ما له: الصَّبرُ على ظلم غيره له وأذاه وغيبته وقذفه، فلا يستوفي حقَّه في الدُّنيا ولا يقابله، ليُحيلَ خصمَه عليه إذا أفلس من حسناته؛ فإنَّه كما يؤخذ منه ما عليه، يستوفي أيضًا ما له، وقد يتساويان، وقد يزيد أحدهما على الآخر.

ثمّ اختلف هؤلاء في حكم ما بيده من الأموال، فقالت طائفةٌ: يُوقِفُ أمرَها ولا يتصرَّف فيها البتّة. وقالت طائفةٌ: يدفعها إلى الإمام أو نائبه، لأنّه وكيل أربابها، فيحفظها لهم، ويكون حكمُها حكمَ الأموال الضَّائعة.

  1. (١) انظر: "الأوسط" لابن المنذر (١١/ ٦٠ - ٦٢)، و"مجموع الفتاوى" (٢٩/ ٣٢١ - ٣٢٢).
592

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي